لا يُقارع التعطيل إلا بأفضل قراءة ممكنة للدستور الحالي انطلاقاً من مفهوم "المناصفة"
"قوّة القوّة" أم "قوّة المنطق"؟
يتواجه، عملياً، منطقان في لبنان.
المنطق الأوّل يقول إنّه إذا ما تعطّلت عند كل عتبة وأمام كل استحقاق إمكانية الاحتكام المؤسّسي الهادئة إلى الدستور فإن الدستور الحالي سيصير شيئاً فشيئاً بحكم المعطّل، وإنّ الحلول التي ستُبتدع عند كل عتبة وأمام كل استحقاق لتجاوز التعطيل ستبتعد أكثر فأكثر عن متن الدستور الحاليّ، وتفسح المجال لانبثاق دستور بديل عنه، وهو الأفق الوحيد لتجاوز الأزمة اللبنانية من حيث هي أزمة نظام وأزمة كيان وأزمة توازنات طائفية ومذهبية وأزمة خيارات إقليمية استراتيجية.
تقترب "قوى 8 آذار" أو "المعارضة" أو "الأقلية" من هذا المنطق الأوّل، وإن كانت لا تعبّر عنه تماماً بهذا الشكل، وإن كان البعض يفضل التعبير بأشكال تقلّ "منطقيّة" سواء من حيث المضمون أو لجهة الأسلوب.
أما المنطق الثاني فيقول إنّه من المخاطرة بمكان استنزاف صيغة دستورية قائمة من دون اقتراح بديل عنها، ومن دون اقتراح سبيل لإنضاج هذا البديل وإحلاله، وإن الصيغة الموجودة تبقى في كافة الأحوال أعدل وأفضل مما يروج من صيغة بديلة ممكنة تفوح منها عموماً رائحة إحلال نظام هيمنة مذهبية بقوة السلاح والتعبئة الايديولوجية الديموغرافية والاستقواء بالحلفاء الإقليميين وبضعف الأخصام المحليين عند "المقارعة الأمنية".
وهذا المنطق الثاني تقترب منه "قوى 14 آذار" أو "الأكثرية" ولو كانت لا تعبّر عنه هي الأخرى تماماً بهذا الشكل، ولو كان تعبيرها عنه يتبدّل من قطب إلى آخر وبين لحظة سياسية وأخرى.
وإذا كانت الصعوبة الداخلية للمنطق الأوّل أنّ الإضاءة على سلبيات النظام الحاليّ لا تكفي لتوليد آخر بشكل تلقائيّ خصوصاً إذا كانت الإضاءة جارية بالأدوات الأمنية، أي بـ"القوة" أو بشكل عام بـ"قوة القوة"، من خلال أساليب عديدة لـ"الاستقواء بالسلاح"، فإن الصعوبة الداخلية للمنطق الثاني أنّه لا يمكن مواجهة حملة تعطيلية ضارية للصيغة الدستورية الحالية من دون العمل على بلورة أفضل تفسير ممكن لهذه الصيغة الدستورية، أي أعمق تفسير ممكن من حيث ربط هذه الصيغة بأساسات الكيان اللبنانيّ وعلّة وجوده وضرورات استمراره، وأقدر تفسير على ربط الخصوصية اللبنانية بالأسس العامة للدولة الحديثة والمرتكزات الرئيسية للنظام الديموقراطيّ.
والفارق هنا أنّه إذا كانت "قوى 8 آذار" فضّلت تضخيم الصعوبة الداخلية التي تحكم المنطق الأول مغالية في تقدير ما توفّره لها "قوة القوة" الأمنية الايديولوجية الديموغرافية، فإنّه لا يسع "قوى 14 آذار" إلا متابعة الطريق التي اكتشفته عشية الانتخابات النيابية للتعامل مع الصعوبة الداخلية التي تحكم المنطق الثاني، من خلال العمل على بلورة أفضل قراءة جديدة ممكنة للدستور وللطائف، لمقارعة حملة تعطيل الدستور والطائف. وهذه الطريق اكتشفت عشية الانتخابات وكان عنوانها قراءة الدستور والطائف من زاوية "المناصفة" الإسلامية المسيحية، والمناصفة تعني وجوب المحافظة دائماً على التوازن بين المسلمين والمسيحيين، لكنها تعني أيضاً وجوب المحافظة دائماً على الحدّ الأدنى من الوحدة الإسلامية وعلى الحدّ الأدنى من الوحدة المسيحية، ووجوب اعتبار أيّ استقواء لطرف مسلم بطرف مسيحي ضد طرف مسلم آخر، وأي استقواء لطرف مسيحي بطرف مسلم ضد طرف مسيحيّ آخر بمثابة خروج على الميثاق.
وإنّنا نزعم بأنّ مجرّد التمعّن بهذه المعادلات التي يتضّمنها مفهوم "المناصفة" قادر على فتح ثغرة يمكن من خلالها الإنضاج السريع لمحاولة التأليف الثانية للحكومة العتيدة.