#adsense

خيار الانتظار “تعموي” أم “تهدوي”؟!

حجم الخط

خيار الانتظار "تعموي" أم "تهدوي"؟!

انشغل المحللون السياسيون في إطلاق أوصاف "تهدوية" على خطاب السيد حسن نصر الله في يوم القدس العالمي، وانشغلوا بثنائه على إيران التي تدافع عن حقوق المسلمين وسورية التي يتحدثون بخبث عن جبهتها الهادئة مع العدو، عملياً لم يُقارب أحد الخطاب من زاوية الخيار الوحيد الذي فرضه السيد حسن نصر الله على لبنان وشعبه إذ وضعه في منزلة بين المنزلتين بلغة فقهاء المعتزلة، أما بلغة العامة فتركه "لا معلّق ولا مطلّق"، وهو تكلّم من موقع قوة من يملك ترسانة السلاح، فبعدما أذعن الجميع في لبنان إلى سحب سلاح حزب الله من التداول، لم يعد الحديث عن قرار الحرب والسلم ومَن يملكه في يده إلا "هرطقة" مناكفات سياسية، فالجميع يعلم ويسلّم بثابتة أنّ حزب الله خارج النص والسياق والمناقشة والتفكير حتى في وضعه كحزب في دولة ولكن ينتمي بولائه لدولة أخرى، ويريد أن يجرّ البلد بقوة السلاح إلى محور الدولة الأخرى لأنه راعي مصالحها في لبنان!!

كان الخيار الذي طرحه الأمين العام لحزب الله مذهلاً في تعليقه مصير لبنان واللبنانيين في هواء الانتظار فقد قال وبالحرف: "المسألة ليست بين خيارين: إما أن نحارب، وإمّا أن نستسلم، فثمّة خيار ثالث وهو:أن نصمد، وأن نمانع، وأن نقاوم، وأن نعمل على امتلاك القوة والقدرة، وننتظر المتغيّرات، هذا هو طرحنا في يوم القدس"، ويفترض هذا المنطق أننا دولة المراوحة وانتظار المتغيرات، والأهم "الممانعة"، لقد وضعنا هذا الطرح في خانة محور الممانعة القائم على تحالف سوري – إيراني، متمدد في المنطقة، وطبعاً هذا الانتظار المقترح لا يحتاج إلى شديد ذكاء لمعرفة أنه انتظار إلى حين نجاح إيران وفراغها من وضع يدها والتمكين لها في الدول التي صدّرت لها ممانعتها ومدت أذرعها الكثيرة..

فهذا الطرح لا يُقرأ بناء على فرضية أن السيد نصر الله ينتظر أن يتغير شيء ما في منظومة العالم والأمم المتحدة وهم منحازون سلفاً من وجهة نظره إلى الكيان الصهيوني، وهو طرح لا ينتظر أيضاً أن يُنهي العدو جميع استعدادته ليخوض معه حرباً، ولا ينتظر أيضاً من النظام العربي الذي يرى في إيران خطراً حقيقياً على استقراره أن يتحالف معها أو أن تأتي الدول العربية بـ "دبّ الحرس الثوري إلى كرمها"، إذن علام الإنتظار ؟ الانتظار حتى جهوز إيران وسيطرتها الكاملة…

لا يمكننا قراءة هذا الطرح بمعزل عما قاله السيد نصر الله في موضوع تحرير القدس: "قد نكون عاجزين عن فعل أي شيء، لكننا لسنا مجبرين على أن نعترف، وأن نقرّ، وأن نستسلم (…) نحن كجزء من هذه الأمة لن نعترف بإسرائيل، ولن نتعامل مع إسرئيل، ولن نطبّع مع إسرائيل، ولن نستسلم لإسرائيل (…) لأنّ "إيماننا واعتقادنا وإعلامنا أن إسرائيل وجود غير شرعي، وغدّة سرطانية، ويجب أن تزول من الوجود"، هذا الكلام هو نفسه "كلام أحمدي نجاد"، والسيد نصر الله قرر أن يتحدّث الجزء نيابة عن الكل، وهذا يعني أن لبنان سيتمرد على أي سلام يذهب إليه العرب مجتمعين!!

لم يسألنا السيد نصر الله ما إذا كنا كلبنانيين نعتقد ما يعتقده هو ومحمود أحمدي نجاد، في تحملنا تكلفة إزالة إسرائيل من الوجود؟ ولا ما إذا كنا نودّ أن نكون من محور الممانعة؟ ولم يسألنا رأينا في موضوع أن نبقى في حال انتظار إلى حين حدوث متغيرات، وهو حتى لم يفصح في خطابه عن ماهية هذه المتغيرات ؟ فالقراءة العقائدية التي يتحدث عنها أمين عام حزب الله لها علاقة بانتظار ظهور المهدي!! فهل علينا أن ننتظر حتى ذاك الوقت وعملياً هذا هو التفكير المهدوي الذي يتردد إيرانياً، وتردّد على لسان أحمدي نجاد!!

وعندما دافع أمين عام حزب الله عن الجبهة السورية النائمة منذ 40 عاماً تقريباً، اعتبر أنّ هناك أناساً يظلّون فاتحين نغمة فتح الجبهات، ورأى أنه "على رغم كل الظروف والحصار والضغوط، يسجل للقيادة في سورية أنها لم تتنازل عن حبة تراب، أو قطرة ماء من أرض سورية"، تجاهل السيد نصر الله عمداً أن لنا آذاناً تسمع وعيوناً ترى وتفكيراً يعقل ما يسمع، ويفقه ما يجري، فتجنب الحديث عن المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط التركي النزيه حتى في عز حرب تموز، ولا عن خطاب رجل الأعمال السوري الموفد رسمياً من تحت الطاولة وخطابه عن السلام في الكنيست الإسرائيلي، ولا عن "التلبيط" السوري في المنطقة يميناً وشمالاً للضغط على إسرائيل لتكون أميركا راعي المفاوضات بينهما، وكأن عدم الحديث عنها يطمس وقوعها أو يخبئها، ومجرّد غضّ النظر عن كل هذا ثم وصفه بأنه صمود وممانعة هو استغباء و"استهبال" للشعب اللبناني وتنكر أيضاً لدماء الشعب الوحيد الذي يموت نيابة عن الممانعة الإيرانية – السورية…

أما الحديث عن الحكومة والانتظار، وأن تأتي متأخراً أفضل من أن لا تأتي أبداً، فشأنه شأن الحديث عن انتظار المتغيرات، ومتى لاحت في الأفق متغيرات سيتم قلب عشر طاولات دفعة واحدة على رأس لبنان، ولن يعود فيه مكان لا لدولة ولا لجمهورية ولا لحكومة حتى… أفضل ما في السيد حسن نصر الله أنه صادق جداً في ما يقول، العيب يكمن في مَن لا يريدون أن يفهموا ما يقوله ربما لأنه يقوله مستبطناً معناه، وكلما اقترب حدوث المتغيرات وقصر وقت الانتظار كلما سيزداد الكلام إفصاحاً وإيضاحاً، فهو عادة يقول المعاني الباطنة في كلامه على دفعات…

ولن يستطيع أحد أن "يبلفنا" ويقول اننا في محل تأويل كلامه، فالرجل يتعامل معنا ببنية عقائدية فقهية تأويلية، ويوماً ما سيطل ويقول لنا: "ولَوْ.. أنا ما غيّرت كلامي، فلكل آية قرآنية حدّ ومطلع وظاهر وباطن، والكلام قد يكون كذلك… هني ما بيفهموا عربي"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل