#adsense

ماذا تفعلون بلبنان؟

حجم الخط

ماذا تفعلون بلبنان؟

كانوا يقولون في الأزمات السياسية والخضّات الحكومية العابرة إن كل الدروب تؤدي الى الطاحون، والى معالجة أسباب الزعل، والى إرضاء المستنكفين بحقيبة دسمة أو بوزارة سيادية.
وأحياناً بتبويس اللحى.
فيمشي الحال. وتمشي الحكومة. ويمشي البلد. ويمشي الشغل. وكأن شيئا لم يكن.

إلا أن هذه الامثال والأقوال لم يعد لها مكان ولا ناس ولا من يسمع، بعدما دخلت سوسة الحروب والمخططات والأطماع والشهوات في الشريان التاجي للحياة السياسية، وصار كل شيء وكل أمر وكل قرار مرتهناً بمشيئة هذا "الخارج" أو ذاك.

وما نسجله هنا في هذه الساعات التي تسبق استشارات الرئيس سعد الحريري للكتل النيابية، يفتح ثقباً كبيراً في جدار الوضع اللبناني الدائم الاهتزاز، والمقيم أبداً على شفير الهاوية.

لا بدّ، إذاً، من الدخول في "التابو". أو في التفاصيل اللبنانية، والتفاصيل السياسية، والتفاصيل الحكومية، وتفاصيل التركيبة العجائبية التي لم تثبت جدارتها حتى الآن، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أرباع القرن.

ربما نظلم التركيبة عندما نعزلها عن الأهواء الكثيرة التي تدغدغ القبائل والطوائف التي اشتقت من تنوعاتها تلك الصيغة التي قيل فيها ما لم يقله قيس في ليلاه.

ومع أن القول المأثور يشير الى ان الشياطين تقيم عادة في التفاصيل لا في سواها، فقد أثبتت التجارب المريرة والمتواصلة أن الشياطين اللبنانية تقيم في كل شيء. وفي كل شاردة وواردة.
حتى قال الثعلب المدلل كاظم الخليل ذات مرة مع بدايات حروب الآخرين ان التفاصيل اللبنانية هي الشياطين بذاتها.

وهي التي تقيم في كل ما يتصل بقيادة قطار الحكم، وقطار النظام، وقطار الصيغة، وقطار الميثاق الوطني، وقطار الدولة التي لم تتأسس بعد، وقطار الوطن الذي لم يسبق له ان زار هذه الجغرافيا التي تشبه الجنة، ولا وطأتها قدماه.
بعد كل هذه السنين، والحروب، والمهرجانات، والمؤتمرات، والمصالحات، والعناقات، والمرارات، والعذابات، لا يزال لبنان أقرب الى الفكرة الجميلة، الفكرة المثالية النموذجية الفذة ولكن غير القابلة للتنفيذ على الأرض.

والتي لم تبرهن رغم كل المحن والتجارب أنها قابلة للحياة.
قد لا يكون الذنب ذنب لبنان.
وقد لا يكون السواد الأعظم من الناس المقيمين على هذه الارض السائبة، المنتشرين او الموزعين بغير انتظام في هذه الغابة الداشرة، مسؤولين عما أصاب البلد اليتيم.

لكن زعماء القبائل وقادة الجحافل وسياسيي المحافل وأصحاب الشهوات التي لا شفاء منها وأولئك الذين يبيعون بثلاثين من الفضة لبنان وما فوقه وتحته وحوله، هم، وهم وحدهم، من يتحمّل التبعات والمسؤولية. أمام الله. وأمام الناس. وأمام التاريخ.

وهم منْ سيمثل يوماً أمام سؤال العدالة: ماذا تفعلون بلبنان؟ ماذا تصنعون بهذا البلد المنبثق من الاحلام؟ لماذا تدمّرون الوطن الرسالة الذي لم تسمحوا له بأن يبصر النور؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل