
المطران رولاند أبو جودة لـ"آفاق الشباب": التحريض ضد البطريرك ليس بلعبة رابحة لأحد
اكد النائب البطريركي العام المطران رولاند ابو جودة ان الكنيسة لا تساند احدا ضد احد وهي تقوم بدور توفيقي بين الحس الوطني الاخلاقي وعدم التدخل بالسياسة.
واذ اشار في حديث لمجلة آفاق الشباب الصادرة عن الدائرة الاعلامية في مصلحة طلاب القوات اللبنانية في عددها الصادر يوم السبت 26 ايلول الى ان الاعتذار الذي قدمه رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع السنة الماضية كان يجب ان يقابل بخطوات مماثلة من الجميع، اكد المطران ابو جودة أن التضحية مطلوبة طالما هناك نتائج إيجابية قد تنتج عن هذه التضحية.
وشدد أبو جودة على أن التحريض ضد البطريرك ليس بلعبةٍ رابحة لأحد، فالبطريرك هو رأس الكنيسة ولا أحد يستطيع أن يحل مكانه.
وفي ما يأتي نص المقابلة كاملاً:
-ما هو دور الكنيسة والبطربرك الماروني اليوم؟
ان دور الكنيسة بلبنان هو دور مهم جدا وله طابع خاص. انها لا تعاطى الشؤون السياسية ولا تساند أحدا ضد أحد، فالكنيسة تحافظ على الوطنية كما في جميع دول العالم. ولكن للبنان طابع خاص إذ انه لكل طائفة فيه حقوق وواجبات وقوانين، والكنيسة دورها التوفيق بين الحس الوطني الأخلاقي من جهة وعدم التدخّل بالسياسة من جهة اخرى.
أما بالنسبة للبطريرك الماروني فدوره اكبر من غيره من القيادات الروحية وذلك لأنه خلال التاريخ لطالما كان رمزا وطنياً وروحياً في آن واحد، فهو يلعب دوراً وطنياً بالإضافة الى دوره الطائفي حتى انه كان يدافع عن المسلمين ويطالب بحقوقهم عند السلطان العثماني منذ ايام السلطنة العثمانية.
-هل تتمكن الكنيسة اليوم من القيام بهذا الدور؟ ولماذا لا يلعب البطريرك دوراً بين الفرقاء المتخاصمين كي يتصالحوا؟
ليس من السهل ان يقوم الانسان بواجباته كاملة. على الصعيد السياسي ولأن الأمور متشعبة، واجهنا أزمة سياسة مؤخرا، أزمة اكبر من لبنان بذاته، انها ازمة عالمية؛ ولبنان هذا البلد الصغير كَثُر الطامعين فيه حتى الدول الكبرى، صدق من قال "ومن الحب من قتل…". فدور البطريرك أن يحاول مصالحة المتخاصمين ولكنه لا ينجح. إذ هناك مثل إنكليزي يقول "فيك تاخد الحصان على المي بس ما فيك تخلي يشرب". إن البطريرك يدعو دائما لإجتماعات مصالحة ولكن دائماً يجابه بأعذار من هنا وهناك.
اما على الصعيد الاجتماعي، في لبنان خدمات عامة واجتماعية من واجبات الدولة لكنها غير قارة بأن تقوم بها. الكنيسة تحاول ان تكون حاضرة ولكن امكانياتها ليست كافية. فللكنيسة أرزاق ولكن لا يمكن استثمار جميع هذه الأرزاق أو بيعها و الإستفادة منها لأسباب جغرافية وطبيعية. انما للكنيسة عدة مؤسسات مثل المؤسسة الإجتماعية المارونية وكاريتاس عدا عن المشاريع الإسكانية التي تقوم ضمن الأبرشيات.
-هل تغيرّ دور الكنيسة اليوم عن السابق؟
جوهرياً، إن دور الكنيسة لا يتغير أينما كان ومهما كانت الظروف. ولكن القيم والمقاييس تتغير ونظرة الناس لدور الكنيسة لم تعد كما كانت في السابق، فالحق أصبح باطلاً والباطل أصبح حقاً عند البعض. أصبحت النظرة مادية بدءاً من الحياة العائلية وصولاً إلى الزواج.
-على البطريرك واجب وطني منذ زمن بعيد ولكن هل صحيح أنه يميزّ بين طرف وآخر في تعاطيه للشأن السياسي؟
إن البطريرك قد يتعاطى الأمور غير الروحية انما هو لا يميز بين طرف وآخر، عليه ان يكون دائما متساويا بالتعامل ولكن بعض الأطراف والأشخاص يحجّمون دور البطريرك والكنيسة. وهو كان ومازال كذلك منذ كان يكتب الكثير من النداءات ايام البطريرك خريش رحمه الله.
-لماذا هذا التهجم على بكركي اليوم من بعض الجهات السياسية اذاً؟
هناك انحطاط في مستوى التخاطب بين السياسيين بسبب إستعمال كلماتٍ نابية لا يجوز استعمالها حتى بين فردين من ناحية التهذيب الاجتماعي، "هيك سياسيين شو بدا تكون نظرتهم لغير أمور؟"
كل هذه التصرفات والتهجمات على البطريرك هي نتيجة رفضهم لمواقف هذا الأخير التي قد لا تكون مواقف سياسية كاملة إذ لا أحد كامل سوى ربنا وحده، ولكن لا يجوز اتهامه أو أحد الأساقفة بإتهامات خاطئة إذ لا أحد منهم يسعى إلى كرسي نيابي أو وزاري أو رئاسي. كما أن التحريض ضد البطريرك ليس بلعبةٍ رابحة لأحد، فالبطريرك هو رأس الكنيسة ولا أحد يستطيع أن يحل مكانه.
-ولكن البعض يطلق على نفسه لقب البطريرك السياسي لمسيحيي الشرق؟
من يريد أن يسمي نفسه بطريرك سياسي هو حرّ وقد يستطيع تسمية نفسه إمبراطوراً سياسياً.
-هل القرارات التي تتخذها الكنيسة في لبنان نتيجة اجماع الاساقفة أو أن البطريرك يفرض نظرته وارائه عليكم؟
الكنيسة إجمالاً ديمقراطية إلى أقصى حد وملَكية بذات الوقت أي لها رأس واحد. في لبنان عند لقاء المطارنة، يتم توزيع مسودّة علينا، يقرؤها أمين سر المجمع كاملة، ثم نتشاور بها فقرة تلو الأخرى، ويعطي كل منا رأيه بهذه الفقرة؛ قد نحذفها كاملة أو قد نتركها كما هي أو قد نعدّل فيها. ثم تكون الصيغة النهائية فتعلن. خلال هذه المناقشات، طبعاً هناك أراء مختلفة وهذا أمر طبيعي وديمقراطي إذ لكل منا مصالح ابرشيته التي تختلف من أبرشية لأخرى، لكن تجتمع الأراء كلها وتتوحّد بصيغةٍ واحدة تناسب الجميع.
هذه المشاورات تكون برئاسة البطريرك، فإن كان رافضاً للفكرة لا يمكن ارغامه ولكن في ذات الوقت فهو يتفهم ويحترم باقي الأراء ويساعد في إيجاد الحلول البديلة. هكذا يكون الإدلاء ببيان المطارنة، أما فيما يخص تصريحات البطريرك فهي عبارة عن ارائه الشخصية وهنا يظهر التباين بين كل من بيان المطارنة وتصريحات البطريرك الشخصية ولكن هذا الأمر لا يحصل إلا نادراً. إن تصريحات البطريرك تعبّرعن رأيه انما رأيه يُحترم ويُصان وله قيمته المعنوية ويُلزم الكنيسة كونه رأس الطائفة.
-هل اختلف المسار الذي سلكه البطريرك صفير عن اسلافه البطاركة الموارنة؟
ليس كل البطاركة لهم ذات طريقة التفكير وذات أسلوب التعبير. "ما في انسان متل الثاني"، ولكن خط كرسي البطريرك على ممر العصور هو واحدٌ في سبيل لبنان الواحد صاحب السيادة والإستقلال وفي خدمة كل الطوائف.
-ما هي نظرة الكنيسة المارونية للشهادة؟ وما هو رأيكم بشهداء المقاومة اللبنانية والدور الذي لعبوه في سبيل الوطن؟
الكنيسة والشهادة متلازمان منذ أن وجدت الكنيسة المسيحية، من أيام الرومان والإضطهاد الذي تعرّض له المسحيون من عمليات قتل وغدر لدرجةٍ أن احدهم قال "إن دماء الشهداء تسقي مشاتل المسيحيين". إنه تاريخنا وقد يكون قدرنا.
لعب شهداء المقاومة اللبنانية دور كبير لايمكن نكرانه إذ شعر الشباب انذاك أن لبنان مهدّد ووجودهم مهدّد فحملوا السلاح للدفاع عن النفس. واليوم لما كان هناك لبنان لو لم يدافعوا عنه في الامس، فمشكلة لبنان كانت دائماً أنه الحل البديل للمشكلة الفلسطينية.
-ما هي نظرتكم اليوم للمشهد السياسي العام في البلاد؟
على جميع الأطراف المساعدة على قيام الدولة وبسط الجيش سلطته على كامل الأراضي. كما أن المسامحة مطلوبة وواجب محق بين جميع الفرقاء لطيّ صفحات الماضي المؤلمة والموجعة لبناء لبنان القوي. إن الدكتور جعجع وخلال قداس الشهداء السنة الماضية إعتذر وطلب المسامحة من جميع من أخطأ إليه وهذا هو المطلوب والأمر الصحيح، هذه المسامحة والغفران يجب أن تقابل من قبل الجميع، كما أن التضحية مطلوبة طالما هناك نتائج إيجابية قد تنتج عن هذه التضحية.
فيما يخص الوضع السياسي في لبنان فإن كل الناس تشعر بالضياع. "هل يجوز أن تكون الوزارة كقالب جبنة كل واحد بدو شقفه؟" هل هذه هي المصلحة العامة التي يتكلم عنها السياسيون وهل هكذا تكون التضحية في سبيل لبنان الواحد؟
ليس من الخطأ أن يقوم رئيس الحكومة بزياراتٍ خارجية ويستمع إلى جميع الاراء انما ليس لكي يُملى عليه كيفية تشكيل الحكومة فهناك سيادتنا واستقلالنا الذي يجب أن نحافظ عليهما.
-هل انت اذا مع استمرار المساعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟
على جميع الفرقاء أن يحاولوا قدر الإمكان التوافق فيما بينهم لتشكيل حكومة توافقية ليكون لها نصيب النجاح أكثر من سابقاتها. يجب أن تكون الحكومة الناجحة مبنية على التوافق والتعاون والتنسيق بدل وضع العراقيل.
-هل أنت مع ما ينادي به البعض اليوم حول اعتماد الديمقراطية العددية؟ وإلى أين يؤدي هذا الطرح بمستقبل المسيحيين وصورة لبنان؟
إن الديمقراطية مهمة جداً والكنيسة تدافع عنها لأنها تحترم الإنسان وحرية الفرد. لكن تطبيقها يفترض على الشعب أن يكون معداً إعداداً جيداً فهي نقطة وصول وليست نقطة إنطلاق.
على الشعب أن يعرف كيف يميز ويختار وينتخب عن قناعة دون التأثر بأحد أو بالمال. إن الديمقراطية العددية جيدة إذ تعبرعن رأي الأكثرية انما يجب أن تكون واعية. هنا تجدر الإشارة إلى أن الشعب اللبناني ونظام الحكم في لبنان غير محضّران لأن يمارس الدمقراطية العددية، وفيما يخص الديمقراطية التوافقية، هناك ١٨ طائفة في لبنان لا يمكن إرضاء الجميع أيضاً لذلك يجب إعتماد الديمقراطية التوافقية قدر المستطاع ويجب إحترام المعارضين كما عليهم تقبّل نظام الحكم ومعارضته بديمقراطية. يتكلمون عن إلغاء الطائفية في حين يجب الغاؤها من النفوس قبل الغائها من النصوص. وذلك كي لا تستبد طائفة بأخرى في حال اعتمدت الديمقراطية التوافقية.
-هل تشارك المتشائمين رأيهم بأن مسيحيي لبنان إلى تناقص مستمر وصولاً إلى حال مشابهة لوضع المسيحيين في باقي الدول العربية ؟
هناك شيءٌ في أعماقنا يجعلنا ننكر ونرفض هذا التراجع المسيحي. طبعاً هناك خطر لأن هذا الأمر أصبح واقعاً مع التزايد الإسلامي والتناقص المسيحي. لطالما وُجدت العشائر المسيحية حتى من أيام قبائل قريش ولكن مع الوقت فإن المسيحيون يتناقصون وينحصرون ضمن مناطق معينة. على المسيحيين أن يكونوا واعين ليتم التعويض عن هذا النقص العددي كما يجب إعتماد الإنجاب لتكثير النسل. وعليهم أن يساعدوا ويكونوا إلى جانب كنيستهم ويعبروا عن مكامن الضعف والاخطاء فيها. هذه رسالتي إلى الشباب.
ولكن من ناحية أخرى هناك الأوضاع المعيشية الصعبة التي نعاني منها فالكنيسة تقوم قدر الإمكان بمساعدة مواطنيها. ولكن هل بإمكانها إعالة كل المسيحيين؟ طبعاً كلا إذ لا إمكانيات مادية متوفرة كافية. لذلك على الدولة المساهمة في مساعدة المواطنين وتوفير حاجاتهم اليومية لتحسين اوضاعهم المعيشية.
-البعض يرفض اعطاء مجد لبنان لسيد بكركي والكنيسة المارونية؟ فملن مجد لبنان؟
ربنا هو صاحب المجد وهذا مذكور في الكتاب المقدس ولكن الناس اعطت هذا المجد للبطريرك. مجد لبنان أعطي للبطريرك بقدر ما دافع البطريرك عن لبنان وحمى شعبه ليلتفّ هذا الأخير حوله. المجد ليس للتفاخر بل لبسط السلطة والتحفيز على التضحية والخدمة. "فالمسيح جاء ليَخدُم لا ليُخدَم…"