#adsense

إيلي يحشوشي: الجميع تحت الأنقاض أنا الوحيد الواقف على رجليه…

حجم الخط

إن ما يتميّز به فخامة رئيسنا الجديد، الشاب الشيخ بشير الجميل، بالإضافة الى الفضائل التي أنعم الله عليه بها بسخاء، هو القبض المُحكم على اللحظة التاريخية بكل أبعادها، التي عيّنتها له العناية وعيّنته هو لها. ولذا فهو عنوان الرجاء للبنان ولأكثر من لبنان بكثير. 10 أيلول ـ 1982 ـ شارل مالك

ثلاثة وثلاثون سنة مضت، وكان في الثالثة والثلاثين!! كان الحلم بنزول لبنان عن الصليب!! 14 أيلول، في لحظة تاريخية ويوم ارتفاع الصليب… رحل.

أنا أصغرهم سناً. كالمعتاد كنا في مكتب الأستاذ فؤاد أبي نجم في بيت الكتائب في الأشرفية، لكن ذاك الثلاثاء ولقناعة كثيرين من الناس أنه سيكون اللقاء الأخير مع الشيخ بشير بصفته قائدًا لـ”القوات اللبنانية” قبل تسلمه رئاسة الجمهورية. احتشد العديد من الحزبيين في القاعة وتوزع البعض على المكاتب لسماع كلماته الأخيرة كرفيق لهم وقائد مقاوم… فهكذا أحبوه، وكل خوفهم أن يكون اللقاء المقبل معه متعذرًا.

حضروا ليتزوّدوا بشحنة من المعنويات والعنفوان، وليستمدوا منه البطولة والتواضع. أتوا بأنانية الحبيب ليقولوا له أنت قائدنا ولو أنك ستصبح رئيسًا لكل لبنان في خلال أيام، لكنك تبقى القائد والملهم.

حضر على عجل. دخل مكتبه، خرج، أطل برأسه وطلب إحضار ملف له من سيارته. خرجت من مكتب أبي نجم، أحضرت الملف وعدت مجددًا الى القاعة. توقفت على بعد مترين من المقعد الذي سيجلس عليه الرئيس. لم تكن لدي الجرأة أكثر للتوجه مجددًا الى مكتب أبي نجم الذي يقع وراء مكان جلوس الرئيس مباشرة.

إنه منزل لبناني من الطراز القديم، تدخل إليه عبر باب كبير يؤدي مباشرة الى قاعة استقبال كبرى، وتتوزع فيه المكاتب الى اليمين واليسار بشكل متوازٍ. وفي آخر القاعة مكتب مواجه للباب الخارجي، إنه مكتب أبي نجم.

جلس الرئيس في مكانه وخلفه جلس جان ناضر، وفؤاد أبي نجم، وساسين كرم، وأنطوان أيوب، وعاطف زلاقط، وإيلي نعمان، وربما آخرون لكن العقود الماضية أنستني أسماءهم.

أنطوان أيوب، عزّ عليه ألا أكون جالسًا بقربه فبدأ يناديني للعودة الى المكتب، أومأ برأسه عدة مرات، وتبعه فؤاد أبي نجم. لكن خجلي منعني من العبور الى العالم الآخر!! أشحت بنظري عنهم، وبدأت أتطلع الى الوجوه في القاعة، شعرت بفرح على محياهم مع مسحة فراغ!! لربما قلق على المستقبل بعدم وجود البشير بينهم، ربما!! أو ربما هو شعور بموجة من الفراغ النفسي الذي يسبق اغتيال مجموعة من البشر وينعكس فراغاً في العيون!! لعل أرواحنا تستشعر بما سيحصل قبل الجسد.

نظرت الى الرئيس، الى عينيه، التي عادة ما كانت تسبق ضحكته ابتسامة عينيه، ولم تكن كذلك مع فرحة لم يضحك لها.

إنه الصمت المطبق بعد سماعي “صوت إطلاق نار” من بندقية صيد. هدوء تام.. ولا حركة.. ثوان قليلة مضت وأنا مرمي على الأرض ونور النهار يضيء عتمة الظلام.. فجوة في سقف المبنى يخرج منها الغبار ويدخل منها الضوء.

ثوانٍ أخرى.. يا عدرا.. يا عدرا.. أحدهم يناديها لتخفف من عذاباته ولتصلي لأجلنا نحن الخطأة الآن وفي ساعة موتنا. إنها ساعة الموت البارد.

أنا أرى، أنا أسمع، أنا أتحرك، إذاً أنا حي. لم أمت بعد.. نفضت عني الأنقاض، وقفت ونظرت من حولي، إنه انفجار ضخم استهدف الرئيس.

الجميع تحت الأنقاض، أنا الوحيد الواقف على رجليه. توجهت الى حيث كان جالسًا، لم أستطع الوصول لكثرة الدمار. الأصوات تتزايد والصراخ يعلو أكثر وأكثر.

علي التوجه الى الباب الخارجي والدخول من باب خلفي قد يكون الوصول إليه أسهل. خرجت الى الباحة الخارجية. جمهور من الناس ينظر بذهول الى البيت المدمر، وكأنهم مخدرون… صرخت بهم: الى ماذا تنظرون. أطلبوا المساعدة وادخلوا الى البيت لرفع الأنقاض.

توجهت الى المدخل الآخر ودخلت المكتب. التراب يغطي أحدهم بالكامل وشكل جسده ظاهر للعيان، يحاول أن يحرك يديه وهو بالكامل مطمور بالتراب والحجارة، لا يزال حيًا وعلي مساعدته.

انحنيت وبدأت بإزالة التراب والحجارة عن رأسه ورميها الى الخلف، فبان وجهه. إنه الرفيق إيلي عكاوي. أكملت إزالة الأنقاض عن صدره ويديه ورميها الى الخلف.

يا إبني شو عم تعمل؟! عم تدفني أنا وطيب؟!

أعرف جيدًا هذا الصوت. لقد ألفته منذ كنت طفلاً صغيرًا. إنه الصوت الدافئ الذي نشأت عليه، يدلعني أحياناً ويؤنبني حيناً.

إنه والدي.. تحت الأنقاض هو الآخر باستثناء وجهه المغطى بالغبار.

بيّي هيدا إنت؟ّ

أضحكني عندما طلب مني مباشرة أن أجد له نظارتيه. سألته أن يحرك رجليه ففعل. وقال لي إنه لا يستطيع أن يتنفس. إلتفت الى إيلي فرأيته يهمّ بالوقوف، ساعدته على ذلك، وخرج من الباب.

مجددًا استدرت نحو والدي، وبكل تأنٍ رفعت عنه الأنقاض. ساعدته على النهوض وأخرجته من الباب حيث سلمته الى أحد الأشخاص طالبًا منه نقله الى المستشفى.

عدت الى المهمة الأساسية. اتجهت نحو القاعة الكبرى حيث كان يجلس بشير. وصلت إليه. أعرف مكانه بالتحديد… إنه تحت سقف المنزل تمامًا، وفوقه الحجارة والدشم الكبيرة.

تأكدت من وفاته. لا مجال للجنون والانهيار. لا مكان للبكاء. هناك أرواح بحاجة الى مساعدة.

نقلت ثلاثة جرحى الى سيارتي وتوجهت بهم الى مستشفى أوتيل ديو، بينما كان العديد من الأشخاص يدخلون الى القاعة للمساعدة.

كل ذلك حصل في دقائق معدودة، ولم تنقطع أصوات الاستغاثة وحشرجة الموت.

وصلت الى المستشفى حيث كان والدي قد سبقني إليها، فأدخلت من معي الى غرفة الطوارئ بسرعة لكي أعود الى مكان الانفجار لتقديم المساعدة لمن يحتاجها.

وجدت شقيقتي في مدخل الطوارئ. توجهت نحوها وغمرتها…

-خيّي هيدا إنت؟ عم نبّش عليك. ما عرفتك. كلك أبيض من الغبرة… الحمدالله على سلامتك… وانهارت.

طلبت إليها أن تبحث عن والدنا في المستشفى والبقاء بقربه.

الموت والقنوط يسيطران على كل شيء. الموت الجسدي. قنوط الروح. وجوه تعبة سوداء… الجميع، أطباء، وممرضون، ومواطنون.

الصمت. الصمت. قتلني هذا الصمت. أسمع في صراخ المستغيثين صمتاً. في أنين الموجوعين صمتاً. في دعاء المصابين صمتاً… يا له من صمت قاتل مرعب.

الصمت في انتظار معرفة الحقيقة!

هل مات بشير؟

الكل يريد أن يعرف الحقيقة ولا أحد يريد أن يسمعها.

نحن نتكلم عن البشير المنتظر. بشير العنفوان. بشير السلام والتلاقي. عن بشير كل لبنان.

عدت الى منزلي حوالى الساعة الثامنة مساء، أي بعد حوالى أربع ساعات على الانفجار. رنين الهاتف لم ينقطع ولم أكن أريد أن أتكلم مع أي كان.

السؤال إياه: هل الرئيس بخير؟؟؟

أما الجواب فكان تائهًا بين “نعم” و”لا”.

الحقيقة عرفتها منذ اللحظة الأولى على خروجي حيًا من الانفجار، ولم أرد أن أكون الغراب الناعي بموت الحلم، إلى أن أتت والدتي إلي، المسبحة في يدها ومسحة حزن وقلق على وجهها. أريدك أن تتحدث الى أختك عايدة، إنها على الهاتف في انتظارك.

عايدة هي المساعدة الشخصية للرئيس كميل شمعون، والذي كنت على معرفة شخصية به…

خيي، الحمدالله على السلامة. الرئيس شمعون بدو يشوفك ضروري. رح توصل لعندك سيارة تجيبك لعنا.

دقائق قليلة ووصل أحد مرافقي الرئيس شمعون، فذهبت معه الى منزل الرئيس.

هنا أيضًا صمت ثقيل، ولكنه صمت مجبول بهمّ وطني كبير.

استقبلتني شقيقتي على الباب وطلبت مني الدخول مباشرة الى غرفة الرئيس شمعون. بدا عليه ثقل الأيام. إنها المرة الأولى التي أراه فيها كهلاً. يمشي داخل الغرفة. وما إن دخلت حتى استوى على مقعده وكأنه يستعد أن يتلقى ضربة موجعة.

-إيلي، بشير مات؟؟؟

-نعم رئيس.

-متأكد.

-أكيد.

وقفزت دمعة من عينه واستقرت على زجاج نظارته. فاشتد احمرار وجهه، وقال مجهشًا في البكاء: “كارثة كبيرة. الله يستر لبنان”.

عدت الى منزلي، وبعدها بساعات أعلن الخبر رسميًا عن استشهاد الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل.

استيقظت صباحًا ولم أستطع سوى أن أفتح عيني، أما بقية جسدي فكان أشبه بلوح خشبي.

توجهت الى المستشفى، أجريت الصور الشعاعية والفحوص الضرورية. النتيجة: تغيير في انحناءة العمود الفقري… نعم، لقد ضرب العمود الفقري للبنان. ذبح الحلم. اندثر طموح الأجيال، انتهت الظاهرة العجيبة، خطفت منا. ولكن أصبح لـ”القوات اللبنانية”، بل قل للبنان، رئيس للشهداء.

قال يومًا: إذا بعدي ما بكون في مية بشير، إيه ستين سنة وسبعين يوم على “القوات اللبنانية”.

كما العادة، كان كلامه في محله وأصبح لـ”القوات اللبنانية” قائد، مرشح لرئاسة الجمهورية، وهذه المرة لن يكون لحبيب الشرتوني غرفة في دارنا وسيكون رئيسنا عنوان الرجاء للبنان ولأكثر من لبنان بكثير.

“وأنت يا رئيسنا الشهيد ورئيس شهدائنا، “نم قرير العين في ظل القمم التي أحببت”. كلمات للرئيس الياس سركيس في يوم وداع الشهيد الرئيس بشير الجميل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل