أجنحة الماعز !
عيدية بعض اهل المعارضة الى الرئيس المكلف سعد الحريري، كانت المضي في سياسة التعجيز والاصرار على التعطيل، عبر التمسك بالشروط التي ادت الى اعتذاره، قبل ان يُعاد تكليفه نتيجة للاستشارات التي اجراها الرئيس ميشال سليمان.
ولقد كان مثيرا للاستغراب، وربما للاستنكار، ان ترتفع اصوات في المعارضة تنتقد توسيع مروحة الوقت الذي حُدّد للاستشارات التي سيجريها الحريري ابتداء من اليوم وتنتهي بعد خمسة ايام، اي الثلثاء المقبل.
وكان مثيرا للاستغراب ايضا ان الذين رشقوا الحريري بالانتقادات في المرحلة الاولى التي انتهت بالاعتذار، لانه حرص يومها على احترام الدستور والقواعد والاعراف فاكتفى بالاستماع الى المطالب او الاقتراحات المتعلقة بالحقائب الوزارية والاسماء المرشحة لها، ولم يدخل في مناقشات وحوارات مع الكتل والنواب، هؤلاء الذين اعترضوا وانتقدوا سابقا يسارعون الآن الى مناقضة انفسهم، عبر توجيه الانتقاد سلفا الى الاسلوب الذي اختاره للاستشارات بحيث تتحول نوعا من الحوار والمكاشفات سعيا وراء جلاء المواقف واستنباط الحلول.
وكل ذلك في اطار من تبادل الافكار وسط اجواء هادئة ومنفتحة تمهد لصفحة جديدة، يفترض ان تتجاوز عُقد المحاولة الاولى وتنتهي بتشكيل حكومة في اسرع وقت، لان الاستحقاقات الداخلية والتحديات الخارجية تفرض قيام حكومة تلم شمل الجميع وتنصرف الى العمل على ما تمنى الرئيس المكلف وطالب دائما.
❐ ❐ ❐
عمليا، لقد حرنا ايها السادة الاكارم. فاذا اكتفى الحريري في محاولة التشكيل الاولى بالاستماع اليكم تنتقدونه، لانه لم يحاور، واذا قرر الآن ان يحاور ويناقش توجهون اليه الانتقاد حتى قبل ان يبدأ استشارات المكاشفة والتفاهم التي يريدها الآن كما هو واضح.
اما اذا كان ما قيل من اعتراض او استغراب او تشكيك حيال اطالة فترة الاستشارات يأتي من حرص بعض المعارضين على عدم تضييع الوقت وعلى قيام حكومة تنهي الوضع السلبي الذي تتخبط فيه السلطة التنفيذية في البلاد، فلا ندري من اين يهبط هذا الحرص الآن، بعدما اضاع المعارضون 73 يوما من محاولات التأليف، التي انتهت بتقديم تشكيلة اعطت المعارضة من الحقائب الحساسة والمهمة حصة الاسد، وما لم تكن تتوقع الحصول عليه، وذلك بعد الموافقة على صيغة 15 + 10 + 5 التي تتجاوز نتيجة الانتخابات ولمصلحة الاقلية ايضا. ورغم ذلك استمر التمسك بالشروط التعجيزية، مما اعطى الاكثرية حجة اضافية على ان المعارضة مدفوعة الى التعجيز والتعطيل لاسباب خارجية تتصل تحديدا بمرحلة العض المتزايد على الاصابع بين واشنطن ودمشق.
❐ ❐ ❐
عندما يقول الجنرال ميشال عون: "ان مسؤولية الرئيس المكلف في الدرجة الاولى ان يعثر على مخرج من الازمة، ويقدم تصورا لكيفية الخروج من النفق"، فان عليه ان يتذكر اولا ان العثور على المخرج ووضع التصور يتطلبان وقتا كافيا للتشاور والبحث، بعد التعقيدات المعروفة. وثانيا، ان شروطه المستحيلة وتمترس المعارضة وراء هذه الشروط، ساهما في خلق الازمة وفي دفع عملية تشكيل الحكومة الى النفق.
والقول ان مسؤولية الرئيس المكلف في الدرجة الاولى ان يعثر على مخرج هو صحيح تماما، ولكن شرط الا يمضي الجنرال في ترسيخ الازمة وتعميقها، فيصير الرئيس المكلف مرة جديدة امام من يطالبه بجعل اجنحة للماعز تحلق في فضاء هذه الجمهورية السعيدة، تحقيقا للمثل السائر "عنزة ولو طارت".
لقد حِرنا فعلا. يطالبون بالاستعجال في التشكيل ويعرقلون. يضيعون 73 يوما من المراوحة امام المستحيل ويستكثرون خمسة ايام خصصها الحريري لمناقشة افكارهم ومطالبهم بهدف الاتفاق معهم على قيام حكومة الوحدة الوطنية التي جعلوا منها حتى الآن مجرد طبل للتعمية!