الوفاق العربي لن ينتظر الوفاق اللبناني..!
موجة التفاؤل التي عمّت الأوساط اللبنانية، اثر الزيارة المفاجئة للرئيس السوري بشار الأسد الى جدّة، ولقائه المُطوّل مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، أكدت المدى الذي وصلت إليه حالة الاحباط عند اللبنانيين، الذين أصبحوا يترقبون <نسمات> الوفاق العربي، علّها تساعد على معالجة الصعوبات والعقد المفتعلة، التي ما زالت تعترض سبيل تشكيل الحكومة العتيدة، وتعطّل عمل المؤسسات الدستورية، وخاصة مجلسي الوزراء والنواب.
وعلى طريقة الفريق الذي يتمسك بحبال الهواء، سارع اللبنانيون إلى استعجال سيناريوهات الانفراج وإنضاج الطبخة الوزارية، وكأن كبسة زر سحرية انطلقت من قمّة جدّة الثنائية، لتزيل كل الشروط التعجيزية التي تمسّكت بها المعارضة وعرقلت من خلالها مهمة الرئيس المُكلّف!.
ورغم أهمية التقارب السعودي – السوري على انفراج الأزمة اللبنانية، وعلى ترسيخ الاستقرار في الوطن الصغير، إلا أنه لا بد من الاعتراف بأن الملف اللبناني لم يعد يحظى بمكانة الأولوية على ما عداه من ملفات وأحداث واستحقاقات تداهم الاقليم، وتُنذر بتطورات دراماتيكية قد تسفر عن تغييرات مهمة في الخريطة السياسية الاقليمية ومعادلاتها الراهنة.
* * * غير أن هذا الكلام لا يعفي السياسيين اللبنانيين من مسؤوليتهم الوطنية التاريخية لالتقاط اللحظة الإقليمية المناسبة للعبور إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، جدية، منسجمة، وقادرة على العمل والانجاز لمواجهة التحديات الكبيرة التي تحفل بها الأشهر المقبلة. وعلى اللبنانيين، أن يدركوا هذه المرّة جيداً، أن الوفاق العربي، خاصة بين الرياض ودمشق، لن ينتظر تحقيق الوفاق المنشود بين القادة السياسيين، بل ولن يتوقف عند عتبة الخلافات المُزمنة بين اللبنانيين، لأن الأخطار المحدقة بأمن المنطقة، وباستقرار كل دول الاقليم، عربية وغير عربية، تفرض على قادة الأمة التحرك سريعاً لرأب الصدع، واستعادة التضامن العربي، وتنقية الأجواء الإقليمية، حتى تتمكن من التصدي لتهديدات المرحلة المقبلة بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لقد أكدت القيادة السعودية في أكثر من مناسبة، على خيارها الاستراتيجي في اعتماد مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز التي أطلقها في قمّة الكويت الاقتصادية لتحقيق المصالحة العربية، وهي ماضية في طيّ صفحة الخلافات مع الجميع، مرتفعة بذلك إلى مستوى المسؤولية القومية في العمل على الحد من الانهيار العربي المريع نتيجة الخلافات التي عطّلت القرار العربي، وضربت الموقف العربي الواحد.
وجاءت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى السعودية، لتؤكد استشعار القيادة السورية بدقة المرحلة التي تمر بها المنطقة، والتي تُهدّد أخطارها أمن واستقرار الدول العربية، بغض النظر عن مواقعها ومواقفها من القضايا الخلافية الثنائية، فكان أن وضعت دمشق خلف ظهرها كل <الحساسيات السابقة>، واتخذ الرئيس السوري خطوة شجاعة باتجاه معالجة الجراح في النظام العربي، والسعي جدياً لاستعادة فعالية الموقف العربي الواحد، والقادر على الحد من أخطار ما يُخطّط للمنطقة.
* * *
ولا نُذيع سراً إذا قلنا إن ما يشغل حكماء العرب، وكبيرهم الملك عبد الله بن عبد العزيز، يتجاوز بمسافات كبيرة الوضع اللبناني وتناقضاته المصلحية المعيبة، ويتركز على القضايا المصيرية التي تبدأ مثلاً بهذا التعنت الإسرائيلي الذي تقوده حكومة نتنياهو ناسفة بذلك عملية السلام من أساسها، إلى احتمال نشوب حرب بين إيران والتحالف الأطلسي بسبب الملف النووي الإيراني، إلى مخاطر تمزّق بلاد الرافدين بسبب الصراعات المذهبية والعنصرية بين أبناء الوطن، إلى استفحال الانقسام الفلسطيني الذي اصبح خطراً على القضية برمتها، الى اشتعال الحرب الملتبسة بين الجيش وما يسمى بـ <الحوثيين> في اليمن، إلى ما هنالك من أزمات مستعرة في السودان والصومال وعلى حدود المغرب العربي، حيث كل قضية من هذه القضايا تستحق أن تُعقد لها قمّة عربية استثنائية لدرء أخطارها.
إن منطق الأمور يفرض على السياسيين اللبنانيين أن يخرجوا من دوّامة المصالح الضيّقة إلى رحاب الوطن، حتى يتسنى لهم اللحاق بركب الوفاق العربي، من دون أن ينتظروا وصول ترياق هذا الوفاق إليهم، وحتى لا يُحوّل الانتظار خلافاتهم إلى فتن طائفية ومذهبية تقضي على ما تبقى من مقومات الوفاق و… الوطن!
لقد استطاع لبنان تأمين أجواء من الأمن والاستقرار لموسم سياحي مزدهر وغير مسبوق هذا الصيف، ونجح في امتحان تنظيم الدورة السادسة للألعاب الفرانكوفونية على أرضه، وهو يستعد حالياً لاستلام مقعده المؤقت في مجلس الأمن الدولي.
فهل سيُفلح السياسيون اللبنانيون في مغادرة خلافاتهم الأنانية… وتقديم حكومة على مستوى آمال الوطن المعذب، وعلى قدر طموح أهله الصابرين؟!.