يوم للشهيد … وايام للاحياء الاموات
المحامي جورج ابو صعب
من منا لم يذرف بالامس في الملعب البلدي في جونية – دمعة وفاء للذين استشهدوا على ساحات الكرامة والشرف كي نبقى ويبقى لبنان السيد الحر والمستقل – لبنان الابي – لبنان الكرامة لابنائه – لبنان الارز الشامخ.
بالامس ونحن نتتبع القداس الالهي لشهدائنا الابرار في صمت المهابة وخشوع الايمان – كنا نسمع ارواحهم تنادينا وتسألنا عن الامانة التي وضعت بين ايدينا وفي طليعتنا بين ايدي الحكيم – فجاءهم الجواب فورا: لان الحكيم لا يتبلد ولا يتنصل – وهو رجل كل التحديات وقائد كل المعارك وقاهر الصعوبات – اجابهم الحكيم بنبرة صوته المفعمة بالكبر والشهامة: لبيكم يا رفاق … اننا هنا وسنبقى هنا على العهد باقون وعلى الوعد سائرون …
بالامس اتحدت السماء بالارض في جونية ونزلت ملائكة الالهام والعنصرة الجديدة علينا جميعا – وفاح عطر بخور الحرية حتى وصل الى دول اغترابنا القواتي – فكأن بالسماء تفتح ابوابها لتسمع صلواتنا وابتهالاتنا الى شهدائنا مستمطرين عليهم الرحمات والصلوات والدعاء: فهم حيث هم كانوا ولا يزالون وسيبقوا ضمير المقاومة ونور ثورة الارز وينابيع حياة لبنان الفينيق المنبعث من ركام المزلة والطغيان والجهل والانانية.
بالامس كان يوم الشهيد: فتوقف الزمن في الملعب البلدي كما في كل بيت لتطلعنا علينا حقيقة مضوية مفادها: ان من في السماء نصلي لاجلهم هم اكثر الناس احياء بيننا – بينما البعض من الذين امتهنوا السياسة والتعاطي في الشأن العام حديثا هم الاموات الذين لا يرحم لهم قلب ولا يأسف لهم فؤاد.
أجل بالامس تأكدت بان من في السماء حي وبعض من على الارض … بعض الارض ميت:
ميت لانه يرفض لبنان
ميت لانه يتنكر لشهدائه
ميت لانه يصارع الارادة الالهية التي نفخت في التربة روح لبنان واقامت هذه القطعة من السماء على مساحة جبين البشير ورفاقه …
ميت لانه خان لبنان الرسالة المقدسة وتنكر لتاريخه العريق
ميت لانه تنكر لدينه واصله وايمانه وباع لبنان ولا يزال يمعن في بيعه بثلاثين من الفضة …
ميت لانه تجرأ على الحق وناصر الباطل فالبسه ابليس ثوب اللعنة
ميت لانه يتلهى بالقشور وينأى بنفسه عن رؤية الحق وقوله جهارا
ميت لانه يساهم ويتحالف مع من يضرب تراث قنوبين وادي القديسين وحضارة ارز الرب وسنديانة لبنان القويمة
ميت لانه لم تعد لصوته واصوات من يتبعه من صدى الا في مجاهل العدم وممرات جحيم الكراهية والشك والنميمة
ميت لانه يأبى التخلي عن الرجس والحقد والضغينة ويأبى ان يرى ويسمع فانطفأت حواسهم واحاسيسهم على ابواب الخير والتسامح والتصالح والمحبة وماتت عندهم الانسانية … لا بل دفنت تحت انقاض الشعبوية والتعبوية والانتهازية المدمرة …
ميت لانه استغل سلاحا بغير موضعه لقتل اخ له في الوطن ولضرب قيم الاحترام والتألف والعيش المشترك وقيم الارض الطاهرة التي احتضنته ونمته وكبرت فيه ليكبر هو بها – فاذا به يبادلها التأمر والخدع والغش والتلاعب بالعباد والاقدار والمصائر …
نعم … امس السبت 26 ايلول 2009 ادركت واعتقد ان كثيرين معي ادركوا كم ان السماء حية بخالقنا وبشهدائنا الابطال الاحياء في ضمائرنا وقلوبنا ودمائنا السارية في عروقنا وكم ان بعض ممن في الارض ميت لا تأثير له علينا ولا وجود له عندنا لا في القلب ولا في الضمير ولا في العروق بل فقط … ونقولها فقط:
في صلواتنا … علها السماء نفسها تنير عقولهم وتعيدهم الى السراط المستقيم سراط حب الوطن كل الوطن … والوطن الذي هو للجميع … والذي لا يكون الا للجميع وبارادة الجميع … والا لا يكون … وتعيدهم بالتالي الى انسانية الايمان وقدسية الشهادة من أجل الاخر لا من اجل الذات …