الإبداع في التشكيل… والتعطيل !
هكذا إذاً،
كل مقومات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية متوافرة، ولا ينقص إلاّ إرادة الرئيس المكلف، الذي عليه أن يُبدع في ترتيب الحقائب والأسماء من أجل أن يُظهِّر هذه الحكومة التي تنقذ لبنان وخصوصاً في هذه المرحلة.
كيف يستطيع النائب محمد رعد المعروف بالهدوء في التصريح والتأني في التعبير، أن يقول مثل هذه الكلمات، التي لا علاقة لها عملياً بعناصر التأزيم في تشكيل الحكومة، والتي تنطوي على نوعين من التظلم:
تظلُّم الرئيس المكلف بالقول إن الارادة تنقصه، وهذا غير صحيح، وتظلُّم الطلاب الذين كانوا يستمعون اليه وليس من حقه أو من عادته تعمية الشباب عن الحقائق!
مقومات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية موجودة فعلاً و"القالب" المتفق عليه، أي صيغة 15 + 10 + 5، متوافر أيضاً، وقد كان لارادة الرئيس المكلف دور أساسي في المقومات والقالب، كما في الاصرار على حكومة الوحدة الوطنية.
أما في ما يتعلق بـ"الابداع" في ترتيب الحقائب والأسماء، فليس على سعد الحريري، عليم الله، إلاّ أن يكون مايكل أنجلو أو بيكاسو أو رودان، لكي يجعل من بدائع الزمان والمكان لوحة حكومية تُعلّق في المتاحف، أو منحوتة فنية ترتفع عند المفارق أو تمثالاً ينتصب في احدى الساحات، وخصوصاً بعدما انقضى الآن زمن سرقة التماثيل – الرموز في لبنان أو نسفها.
❐ ❐ ❐
وعندما نتحدث عن الابداع، فلا بد من وجود عنصرين: أولاً البِدع، وخصوصاً في بعض الأسماء، وثانياً الرغبة في ان يقبل البعض ببعض الحقائب لكي يتمكن الحريري من تشكيل هذه الحكومة البديعة، التي يمكن ان تنقذ لبنان وخصوصاً في هذه المرحلة.
وقبل الانتقال من الحديث عن الابداع الى ما هو أكثر إلحاحاً ربما وتواضعاً، تقضي الموضوعية بالقول إن الرئيس المكلف سبق له قبل اعتذاره ان قدم الى الرئيس ميشال سليمان تشكيلة حكومية، كانت غاية في الإبداع وغاية في الاستجابة لشروط المعارضة وبدائعها، لكن المعارضة رفضتها. مع أن الأمر هنا يذكّر بقصة مايكل أنجلو الذي نحت تمثال موسى بكثير من الابداع، الى درجة انه عندما انتهى منه خاطب التمثال قائلاً: انطق. وعندما لم ينطق ضربه بالمطرقة فكسر يده.
❐ ❐ ❐
كانت تشكيلة بديعة ولم يكن ينقصها سوى النطق والصورة التذكارية، لكن الذين كسّروها كانوا من المبدعين أيضاً، فليس سراً أن تشكيل الحكومة في لبنان، وسط هذا الانقسام الداخلي المعطوف على عراقيل خارجية وإقليمية، هو إبداع فعلي، كما أن تعطيل الحكومات عملاً وتشكيلاً، هو "إبداع" ايضاً ولكن بالمعنى السلبي.
ولا يغالي رئيس كتلة الوفاء للمقاومة عندما يقول إن منهجية الشؤون الاقتصادية والادارية وكل شأن داخلي يمكن ان تسوى بالتي هي أحسن، لكنه يغالي عندما يقول إن بلدنا مأزوم ومنقسم وتتباين فيه الرؤية حول منهجية مواجهة العدو الاسرائيلي وتهديداته واعتداءاته المحتملة.
❐ أولاً: لأنه ليس هناك من لا يدعو إلى مواجهة العدو الاسرائيلي وتهديداته واعتداءاته.
❐ ثانياً: لأنه ليس هناك من لا يتمسك بالوحدة الوطنية أساساً ومنطلقاً لموقف وطني متضامن ومتماسك في مواجهة هذا العدو.
❐ ثالثاً: لأن ضرورة مواجهة هذا العدو كانت في أساس اصرار الرئيس المكلف على تشكيل حكومة وحدة وطنية تلم شمل الجميع وتواجه استحقاقات الداخل وأخطار الخارج وفي مقدمها الخطر الاسرائيلي.
❐ رابعاً: لأن التشكيلة الحكومية التي قدّمها الى رئيس الجمهورية ورفضتها المعارضة، كانت تعبيراً عن هذه الوحدة المنشودة، لكن الرفض لم يكن يتعلق بمواجهة اسرائيل، عليم الله، بل بالاصرار على كسر كلمة الرئيس المكلف مرتين: مرة عبر فرض "الثلث المعطل" كعرف، ومرة عبر الاصرار على تحويله هو ورئيس الجمهورية مجرد صندوق لتلقي الأسماء والحقائب، وهو ما يضرب روح الدستور !
❐ خامساً: ان البحث في الاستراتيجية الدفاعية ومواجهة العدو الاسرائيلي مسألة كانت قد انطلقت عبر طاولة الحوار الوطني، ويمكن لا بل من الضروري استئنافها اليوم قبل غد. وان بقاء لبنان من دون حكومة لا يخدم إطلاقاً الغرض الوطني النبيل، أي مواجهة العدو الاسرائيلي، بل على العكس، وخصوصاً اذا أريد لهذه الحكومة أن تكون طاولة الحوار الوطني لوضع الاستراتيجية الدفاعية، على ما يمكن ان يفهم من مضمون كلام النائب رعد.
نعم، كل مقومات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية متوافرة، وإرادة الرئيس المكلف متحمسة وكانت سباقة في الدعوة الى مثل هذه الحكومة. وإن كان من إبداع مطلوب، فليس سوى الإبداع في اقتناع المعارضة وإقناع بعضها الآخر، أن مواجهة العدو الاسرائيلي ومخططاته لا تتوقف عملياً على توزير شخص من هنا أو هناك، وإلا فإن وضعنا يستدعي الشفقة فعلاً !