#dfp #adsense

بين جمهورية الطائف وجمهورية الدوحة

حجم الخط

بين جمهورية الطائف وجمهورية الدوحة

مع خروج الجيش السوري من لبنان تحت وطأة "ثورة الارز" التي اشتعلت في وجه الوصاية السورية ردا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حصل تغيير جذري في المعادلة في لبنان. فالتقاء الجناحين المسلم والمسيحي افقد الوصاية كل امل في البقاء، ولا سيما ان الخطأ الكبير الذي ارتكبه الحكم في سوريا تمثل في استهداف شخصية سنية بقامة عربية – دولية لم يضاهه فيها احد ممن جرى اغتيالهم في مراحل سابقة. وبذلك خسر الرئيس بشار الاسد ركيزة اسلامية حيوية انضمت الى الاعتراض المسيحي المديد. وتمثل الوجه الآخر في التغيير الجذري رفض الثنائي الشيعي الانضمام الى "ثورة الارز" ومنعهما جمهورا شيعيا عريضا مؤيدا لها من التوسع، لا بل انهما شكلا خطا مناوئا لها ونقطة تجميع لكل من بقي خارج الثورة العارمة التي اشتعلت بوجه الوصاية. وكان واضحا ان الطرف الاقوى في المعادلة الشيعية "حزب الله" ومن خلال تظاهرة 8 آذار الشهيرة، قدّم نفسه وارثا للوصاية السورية بوظيفتها الضابطة للحياة السياسية الداخلية في سياق وظيفة اوسع خارجيا. ومنذ ذلك الوقت جرى تنظيم الثورة المضادة على مراحل متصاعدة، وتبين ان "حزب الله" صار الطرف الذي يحسب له حساب حقيقي في المعادلة الجديدة، فيما تقلصت مساحة النفوذ السوري المباشر بواسطة احزاب وقوى ظلت هامشية الى حد بعيد. وكثيرا ما قيل انه لولا "حزب الله" لما بقي للحكم السوري اي نفوذ حقيقي في لبنان، إذا استثنينا القدرة على الايذاء الامني الذي استمر حتى الآن مشفوعا بوجود بيئة (حزب الله) حليفة ممتدة ومقتدرة.

استمرت الثورة المضادة على مراحل، تخللها تعطيل المؤسسات حكومة ومجلسا ورئاسة، وبلغت ذروتها بغزوات السابع من ايار 2008 التي افضت الى احتلال العاصمة بيروت، ومهاجمة الجبل ومناطق اخرى، وفرضت تسوية قسرية تحت النار تمثلت باتفاق الدوحة الذي مثّل اختراقا جوهريا في جسم اتفاق الطائف بترسيخه سوابق عدة في الحياة الدستورية والمؤسساتية في البلاد، فأضحت اليوم بعد الانتخابات النيابية الاخيرة وحلول استحقاق تشكيل الحكومة عرفا مكرسا بسابقة اتفاق الدوحة وبتهديد السلاح في الشارع. فمبدأ الثلث المعطل وتنازل الاكثرية عن حقها في الحكم ترسخ، وإن بشكل ضمني مع منح "حزب الله" وزيرا حادي عشر مقنعا ضمن حصة رئيس الجمهورية، واستحالة التأليف من دون موافقة "حزب الله" حتى لو تلطى خلف مطالب حلفاء. ومن اعراف اتفاق الدوحة تكريس حصة رئاسية ثابتة لم يلحظها اي نص دستوري، مما انعكس تقليصا في حصة الاطراف المسيحيين في الاكثرية.

الشيء المؤكد اليوم ان اعرافا موروثة من "اتفاق الدوحة" ما عاد في الامكان تجاوزها بعدما اصبحت شرطا ملازما لحماية السلم الاهلي في البلاد. وبذلك يجري تعديل دستور الطائف على دفعات بدينامية السلاح المصلت على الحياة السياسية اللبنانية. وثمن محاولة العودة الى "جمهورية الطائف"، اي الدستور لتحرير المؤسسات، هو التهديد بإشعال الشارع مرة جديدة. وفي خط مواز، يبقى لبنان معلقا على حبال التوافق – السعودي – السوري من جهة والتنابذ العربي الدولي – الايراني من جهة اخرى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل