البلد بحاجة إلى نقاش معمّق حول التوازنات الطائفيّة بعد الانتخابات وكيفية ترجمتها سياسياً
المشروع الهيمنيّ الأخير: فشله لا يعني هزيمته
في 7 حزيران 2009 دخل آخر مشروع "ممكن" لإحلال هيمنة مذهبية شاملة في لبنان منطق فشله التاريخيّ، بعد أن كان هذا المشروع الهيمنيّ الأخير قد زيّن لنفسه، في السنوات الأخيرة، أنّ ليس ما يردّه وأنّه منتصر حكماً لا محالة بما أنّ المشاريع الهيمنية الطائفية أو المذهبية السابقة حاولت وفشلت إلى أن استقرّ الأمر عليه، فضلاً على ما امتلكه هذا المشروع الهيمنيّ الأخير من عناصر قوّة جعلته يبدو بمظهر "أهل الشوكة"، والشوكة هنا ثلاثيّة الأبعاد: ديموغرافيّة، وأيديولوجيّة، ومسلّحة.
بيد أنّ المشروع الهيمنيّ المذهبيّ الأخير في لبنان، إذ دخل منطق فشله التاريخيّ فور إذاعة نتائج الإنتخابات النيابيّة، إلا أنّه لم يدخل أبداً منطق هزيمته التاريخيّة. فالفشل التاريخيّ يعني انسداد الأفق أمام "أهل الشوكة" من دون أن يعني ذلك تهافت العصبيّة الديموغرافية والأيديولوجيّة والمسلّحة. والسبب وراء الفشل التاريخيّ للمشروع الهيمنيّ المذهبيّ الأخير في لبنان يوم 7 حزيران هو أنّه وعلى امتداد العام السابق للإستحقاق الإنتخابيّ كان هذا المشروع يروّج لهذا اليوم كواقعة إنتصاريّة محتومة، بل كواقعة نصف دنيويّة ـ نصف غيبيّة. بعد 7 حزيران لم تنقص أي دعامة من دعامات هذا المشروع الهيمنيّ، لكنّ المشروع بحدّ ذاته ما عاد يمتلك تصوّراً ما للهيمنة، كالذي قفز إلى السطح في أعقاب حرب تمّوز، وتجلّى أكثر فأكثر في لحظات كتلك "الممدّدة" مع "إعتصام الساحتين"، أو "المكثفّة" والداميّة، كما في 7 أيّار، أو كلحظات التهيؤ للإستحقاق الإنتخابيّ بوصفه التتويج لهذه المسيرة النصف جماهيرية النصف أمنيّة لـ"أهل الشوكة".
وإذا ما قارنا المشروع الهيمنيّ المذهبيّ الأخير الذي طرح على لبنان بسابق تاريخيّ هو المشروع الهيمنيّ المسيحيّ، لرأينا أنّ الأخير أيضاً عرف لحظة فشل تاريخيّ قبل سنوات من دخوله لحظة هزيمته التاريخيّة، هذا مع الفارق بين منطق الحرب الأهليّة التي استثارت ذاك المشروع وبلورت صورته الأكثر جذريّة والتي دفعته نحو منطق فشله التاريخيّ فهزيمته التاريخيّة، وبين منطق ما بعد الحرب الأهليّة الذي مهّد السبيل لبناء مشروع الهيمنة المذهبيّة الأخير على لبنان، هذا المشروع الذي فرض نفسه بعد الإنسحاب السوريّ، ثم بشكل أكثر "منهجيّة" في أعقاب حرب تمّوز.
فإذا قابلنا المشروع الأخير بالمشروع الهيمنيّ المسيحيّ، لوجدنا أنّ الأخير دخل لحظة فشله التاريخيّ في أيلول 1982 في حين كان عليه أن ينتظر سنوات إضافية ليدخل لحظة هزائمه التي كانت "عسكريّة" لأن الوضع كان "عسكرياً".
أمّا الفارق الأساسيّ بين المشروعين الهيمنيين، فهو أنّ الأخير الذي طرح على البلاد في السنوات الأخيرة كان فعلاً "الأخير"، بما أنّ كل الطوائف جرّبت قبل ذلك وفشلت.
أمّا الفارق الأساسيّ بين المشروع الأخير وكل ما سبقه من مشاريع هيمنيّة متعثّرة، هو أنّ كل هذه الأخيرة كان تمتلك تصوّراً معيّناً تطرحه بصدد تأمين "استقرار" ما للبلد، في حين ان المشروع الأخير طرح نفسه، تعريفاً، على أنّه "الضدّ" لأي استقرار، حتى لو كان الإستقرار تحت إمرته وفي ظلّ سلطانه.
لأجل ذلك، فإن التملّي اليوم في معاني الفشل التاريخيّ للمشروع الهيمنيّ الأخير ينبغي أن تدفع، لا إلى انتظار لحظة تهافت العناصر المكوّنة لهذا المشروع، وهو ما قد يحدث وما قد لا يحدث، وإنّما إلى تصويب النقاش، وتعميقه، من خلال طرح السؤال: ما العمل بعد أن تعثّرت تباعاً مشاريع كل طائفة لإحلال هيمنة شاملة على البلد، وإلى أي حد من الممكن إعطاء مضامين عمليّة لهذا السؤال في ظلّ استمرار "قوة" المشروع الهيمنيّ الأخير، المبنيّ أصلاً على "القوة"، بل على "قوّة القوّة"، وذلك بالرغم من تعثّره لناحية ترجمة تفوّقه "الأمنيّ" بالقدر نفسه "سياسياً" و"مؤسساتياً؟".
لم يعد مثل هذا النقاش في عمق التوازنات الطائفية والمذهبية بعد الإنتخابات "نظرياً" فقط، إنّه يشكل الشرط الوحيد لتمكين "الحوار" بين اللبنانيين من أن يكون حقيقياً ومثمراً من جديد، ولإعادة إعطاء معنى للسياسة في هذا البلد، بدلاً من رهنها وراء معادلات "الإنفراج" و"الإحتباس" الإقليميين المضجرة، والتي لا تشبه في شيء ذلك النبض المليونيّ ليوم 14 آذار 2005.