مصافحة على فوهة بركان ؟!
أقصى ما يمكن التوصل اليه في الاجتماع بين الدول الغربية الكبرى وايران، الذي سيعقد اليوم في جنيف، هو الابقاء على نافذة الحوار مفتوحة بين الجانبين بما يفسح في المجال للتوصل الى صيغة لمحاولة التفاهم بدلاً من استمرار التراشق بالتهديدات النارية، في منطقة بات النفط الحيوي فيها يتداخل مع النوويات النظرية او الفعلية عند النظام الايراني!
يُنظر في امكنة كثيرة من العالم الى اجتماع اليوم على انه "فرصة حاسمة". فرصة لمجرد ان ايران ستجلس الى مائدة التفاوض مع ممثلي الدول الخمس الكبرى اضافة الى المانيا. لكن هذه الفرصة ليست أكثر من قرع على ابواب التفاهم، الذي يبدو صعباً ومعقداً لا بل مستحيلاً، في ظل المواقف النارية المتقابلة.
وعلى هذا الاساس لا يغالي الذين ينظرون الى الاجتماع المذكور على أنه مجرد مصافحة متوترة على فوهة بركان، او مجرد لقاء يتم تحت لافتة "حوار الطرشان"، باعتبار ان ما يريده الغرب من الحوار شيء وما تريده إيران شيء مختلف تماماً.
❒ ❒ ❒
المفاوض الايراني يذهب مدججاً بحذق "البازار" ومساوماته وتفاصيله، على خلفية الرغبة في ان يكون الاجتماع مناسبة مهمة لفحص "جدية التغيير" في السلوك والتصرف، وخصوصاً لدى اميركا، ولهذا تعمدت الرئاسة الايرانية ان تعرب عن ترحيبها بوجود ممثل لأميركا في الاجتماع!
والتغيير الذي يريده الايرانيون هو رفع العقوبات والاعتراف الغربي بحقهم في امتلاك الطاقة النووية لاغراض سلمية كما يقولون، وقبولهم كلاعب محوري على المستوى الاقليمي، هذا ان لم يطالبوا بترجمة شعار الرئيس أحمدي نجاد، الذي يريد ان يشارك في قيادة العالم، على ما يكرر دائماً!
أما المفاوضون الغربيون، فإنهم يريدون فتح أبواب المنشآت النووية الايرانية أمام المراقبين الدوليين ووقف عمليات التخصيب النووي الذي يشكل خطوة متقدمة في طريق امتلاك القنبلة النووية، وامتناع ايران عن الاستمرار في تنفيذ مخطط الاضطراب واثارة المشاكل في أمكنة كثيرة من المنطقة. ولقاء كل هذا يعرض الغربيون على طهران مروحة من التعاون الواسع يصل الى حدّ التعهد بتزويد المفاعلات الايرانية بما تحتاجه من اليورانيوم المخصّب في الخارج، في روسيا مثلاً او غيرها.
❒ ❒ ❒
وإذا كان الغرب يرى في الاجتماع فرصة ايجابية على الايرانيين استغلالها لتغيير سياستهم وبدء مرحلة جديدة من التعاون والانفتاح بعد ثلاثة عقود من سياسات العداء والكراهية، فإن مساعد نجاد لم يتوان أول من أمس عن القول أن المحادثات تشكل فرصة ذهبية وفريدة للحكومة الاميركية وللدول الغربية للاقلاع عن "اخطاء الماضي"، والمقصود هنا فرض العقوبات على طهران.
يذهب الغرب الى الاجتماع وهو يرفع العصا باليمنى ويلوّح بالجزر باليسرى.
فمن جهة هناك تهديد بمزيد من العقوبات الخانقة، التي يمكن فرضها على ايران اقتصادياً ونفطياً، وهو امر يمكن ان يضايق النظام كثيراً. وهناك أيضاً التلويح باللجوء الى القوة العسكرية والتهديد بتنفيذ ضربات جوية ضد المنشآت النووية الايرانية. وفي المقابل هناك مروحة العروض المغرية التي سبق أن عرضها الغرب على طهران مقابل التعاون والانفتاح واخضاع المنشآت النووية لمراقبة جدية.
ويذهب الايرانيون الى الاجتماع وهم يلوحون بالعصي في اليدين معاً. فمن جهة كان الاستعراض الصاروخي قبل يومين من موعد الاجتماع مجرد عرض للقوة في مواجهة الشروط الغربية واي ضربة جوية ضد ايران. ومن جهة ثانية لوّح البرلمان الايراني عشية الاجتماع بأنه سيضغط على حكومة نجاد للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة اذا فشلت المفاوضات.
وسط الشروط والشروط المضادة لا يتسع المجال كثيراً للتفاؤل. وحتى إذا تم التوصل الى آلية للحوار، على ما اشار الناطق باسم الخارجية الاسرائيلية فيليب كراولي أول من امس، بما يعني ان النافذة ستبقى مفتوحة وأن اجتماعات أخرى ستعقد، فإن هامش الوقت لن يكون كبيراً، لأن الدول الغربية تدرك تماماً ان ايران يهمها كسب المزيد من الوقت لكي تتمكن من تجاوز الخط الأحمر النووي، على ما حصل في كوريا الشمالية، وعندها تتغير قواعد اللعبة كلها، وهو أمر لن تسمح به.