#adsense

“القوات” إن حكت

حجم الخط

يسأل كثيرون عن “القوات اللبنانية” في المحطات الحاسمة والمصيرية. لا يأتي السؤال عن عبث بل عن المراهنة الدائمة على التغيير الذي تحدثه “القوات”. إذا دخلت في مواجهة يسألون لماذا دخلت؟ وإذا أحجمت يبحثون عن السبب. وفي الحالتين تكون “القوات حاضرة”. تعرف متى تحضر وتعرف متى تغيب. وإن اعتقد البعض أن في غيابها تخلفا وتهربا يحسب آخرون حسابات حول ما ستحققه “القوات” ليس في ما تفعله هي بل في ما يفعله الآخرون. كأن اللعبة السياسية تدور حولها. تتكئ هي على تاريخ طويل من المواجهات بينما يجهد البعض في محاولة صناعة تاريخ من وهم.

في العشاء السنوي لمنسقية كسروان في “القوات اللبنانية” تطرق الدكتور سمير جعجع إلى مسألة حياد “القوات” التي يطرحها البعض في سؤالهم: لماذا تقف “القوات” على الحياد ولا تتحرك في خضم ما يحصل؟ فقال إن “القوات” لم تقف يوما على الحياد منذ العام 1975 مرورًا بسنوات الحرب وعهد الوصاية السورية وصولاً إلى مرحلة انتفاضة الأرز في العام 2005 وإنها بقيت في صدارة المواجهة. فهل يعقل مثلاً أن تكون “القوات” على الحياد اليوم في هذه المرحلة المصيرية التي يتهدد فيها الخطر لبنان؟ وهل المسألة تتعلق فقط بالمواضيع المطروحة حاليًا من الحراك المدني والفساد إلى الترقيات العسكرية ومواقف التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون ودور الحكومة والجيش اللبناني؟

متى كانت “القوات” حيادية تجاه مثل هذه الأحداث المصيرية؟ عندما لا تتحرك تكون تعرف أن لا جدوى من الحركة في مرحلة معينة. وعندما لا تعلن موقفاً محددًا في وقت محدد فهي تدرك أن هذا الموقف لا يفيد في تحريك القضية المطروحة لأنها تعرف أن الحركة في غير زمانها قد تكون أكثر ضررًا من عدم الحراك الذي يصير هو بحد ذاته حراك.

في العام 1975 لم تقف “القوات” على الحياد. عندما ذهبت إلى الحرب لم يكن ذلك لأنها هاوية معارك وقتال وحروب بل لأن الدولة غابت ولأن الجيش اللبناني خرج من المعادلة العسكرية فقامت بمهمة مكلفة لم يكن في إمكانها التخلف عنها حتى لو كلفها ذلك آلاف الشهداء فإن التضحية كانت واجبًا ومنذ ذلك التاريخ لم تتخلف “القوات” عن هذا الواجب.

في العام 1982 قدمت مع بشير الجميل مشروع وطن تم اغتياله ولكنها على رغم ذلك لم تخرج من المعادلة ولا تراجعت ولا انهزمت وأكملت الطريق. ما يجمع “القوات” ليس مجرد هواية سياسية أو رفقة عسكرية بل ذلك المشروع الذي لا ينزل تحت سقف الوطن الذي يليق بأبنائه. ولذلك وقفت “القوات” منذ البداية ضد تحويل لبنان إلى محمية فلسطينية ثم إلى محمية سورية وهي تقف اليوم ضد تحويله إلى محمية إيرانية. عندما حاول رئيس النظام السوري حافظ الأسد أخذ لبنان رهينة في الإتفاق الثلاثي كانت “القوات” بقيادة سمير جعجع له بالمرصاد على رغم الكلفة الباهظة التي دفعتها مدركة أن الكلفة كانت ستكون أكبر لو أنها لم تفعل. فبعد اغتيال بشير الجميل اعتقد كثيرون أن “القوات” انتهت وأن الحلم انكسر ولكن “القوات” كانت على موعد مع قيامة جديدة ومع نضال جديد لأن ما يجمع بين القواتيين ليس مجرد تبعية بل ذلك الحلم باستعادة الوطن.

أعطت “القوات” نموذجًا لهذا الوطن من خلال ما حققته من إنجازات في المناطق الشرقية التي صارت صورة مصغرة عن لبنان الذي يحلم به الجميع. ولذلك عندما رأت أن الأوان قد حان للخروج من الحرب لم تتوان عن السير في مسار اتفاق الطائف طريقاً لهذا الخروج وتسليم السلاح وهي تدرك صعوبة المرحلة التي ستلي. اليوم بعد ستة وعشرين عامًا على الطائف بات الجميع يدرك أهميته وأنه الحل الذي يجب أن يكون الطريق الدائم نحو إعادة بناء الدولة.

عندما عرض عهد الوصاية السورية على “القوات” المشاركة في السلطة رفضت لأن لعبتها ليست لعبة سلطة. لذلك بقيت “القوات” في المواجهة حتى عندما حاول هذا العهد أن يفرض الصمت عليها، بقيت في صمتها تقاوم وكان الصمت أحياناً مدوياً أكثر من الكلام الذي كان يمجد عهد الوصاية ويروّج له.

كان ذلك العهد يدرك أهمية “القوات” ودورها لذلك لم يكتف بفرض الصمت بل ذهب إلى فتح الملفات والتوقيفات والملاحقات وإلى حل الحزب واعتقال الدكتور سمير جعجع، وعلى رغم ذلك بقيت “القوات” في قلب القضية وفي قلب النضال ولم تقبل المساومة وكانت تراهن دائمًا على أن زمن القيامة سيأتي وأن لا أحكام مؤبدة حتى حكم عهد الوصاية الذي حاول أن يجد له أدوات كثيرة تدور كلها تحت عباءة “حزب الله”. في كل تلك المرحلة الصعبة لم تخرج “القوات اللبنانية” عن مسارها. وقفت إلى جانب البطريرك صفير الذي بقي الصوت الصارخ في بكركي. وانخرطت في لقاء قرنة شهوان ثم في لقاء البريستول وعندما انفجرت ثورة الأرز بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كانت في قلب هذه الثورة التي أسست لخروج القوات السورية من لبنان.

بين الدولة والدويلة لا مجال للتردد. طوال تاريخها لم تسع “القوات” لتكون بديلاً عن الدولة بل كانت تستشهد من أجل الدولة. تجربتها لا تشبه تجربة “حزب الله” بل تتناقض معها. هي تسعى إلى دولة المؤسسات وهو يريد دولة بلا مؤسسات. هي تريد جيشًا واحدًا يحمي الدولة والناس وهو لا يريد إلا أن يكون هذا الجيش مشلولاً وغطاء له ولسلاحه. هي تريد دولة سيدة وهو يريد دولة تابعة. هي تريد لبنان وهو يريده فرعًا في ولاية الفقيه. هي تريد المشاركة الفعلية وهو يريد “الله معكن”.

تدرك “القوات” خطورة مشروع “حزب الله” الإستراتيجي على لبنان وعلى الشيعة تحديدًا لأنه يحاول أن يلعب بمصير اللبنانيين ويتخذ من الشيعة أسرى لحروبه الكثيرة ولذلك وقفت “القوات” منذ البداية ضد سلاح الحزب في لبنان قبل أن يذهب هذا الحزب للقتال في سوريا.

تعرف “القوات” أن “حزب الله” لم يتوان في 7 أيار 2008 عن استعمال سلاحه في الداخل وتعرف أيضًا أنه عندما يفعل ذلك فلأنه في مأزق وليس في موقع القوة. مهما بلغت قوة الحزب فهو لا يستطيع أن يسيطر على لبنان وأن يجعله على صورته ومثاله وتعرف أنه في خياراته الإستراتيجية سيصل إلى نهايات مأساوية ولعل تجربته في سوريا هي خير دليل على ذلك.

لذلك رفضت “القوات” أن تكون في حكومة واحدة مع “حزب الله”. كانت تعرف أن الحزب بانقلابه على حكومة الرئيس سعد الحريري كان في موقع ضعف أيضًا. فهو منذا العام 2005 كان يحاول أن يستعيد المبادرة التي أخذتها قوى 14 آذار. فهو يهوى الإنقلابات العسكرية لأنه يدرك أنه لا يستطيع أن يربح بالطرق الديمقراطية. ففي انتخابات العام 2005 خسر الأكثرية وفي اتفاق الدوحة على رغم اعتباره أنه انتصر عسكريًا كان مضطرًا للقبول بالتسوية التي أوصلت العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية وأدت إلى تشكيل حكومة جديدة على رغم أنه كان ضد وصول سليمان وكان يدعم الفراغ الرئاسي ويتمسك بالعماد ميشال عون مرشحًا وحيدًا ولكنه لم يجد حرجًا في التخلي عنه عندما أتت التسوية.

تجربة حكومة الرئيس ميقاتي بالنسبة إلى استراتيجية “حزب الله” كانت أسوأ من تجربة حكومة الرئيس عمر كرامي في العام 2004 ومن تجربة حكومة الرئيس سليم الحص في العام 1998. ثلاث تجارب خاضها “حزب الله” وعهد الوصاية السورية معًا أظهرت فشلهم في الحكم وفي إدارة الدولة لأنهم في الأساس لا يريدون حكمًا ودولة. لذلك عندما صارت حكومة الرئيس ميقاتي حملاً ثقيلاً تخلى عنه. يومها اعتبرت “القوات” أن ليس من الواجب مد اليد لإنقاذ الحزب من ورطته خصوصًا بعد انخراطه في الحرب السورية. ولذلك طالبت بحكومة تكنوقراط كان يمكن أن يشكلها الرئيس ميشال سليمان في نهاية عهده. ولذلك فضلت “القوات” ألا تشارك في حكومة الرئيس تمام سلام وأن تغيب عن آخر جلسات الحوار في قصر بعبدا ثم في مجلس النواب وفي عين التينة.

عندما ذهبت “القوات” إلى الإلتقاء على ورقة النوايا مع التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون كانت تعرف أنه لا بد من إراحة الشارع المسيحي لأن المشكلة الأساسية هي مع “حزب الله” وأنها ليست بينها وبينه فقط بل بينه وبين اللبنانيين عمومًا.

منذ معارك نهر البارد وما بعدها في طرابلس وصيدا وعرسال أدركت “القوات” اللبنانية أن الجيش اللبناني يسير في طريق استعادة القرار العسكري في الداخل وأن هذا المسار يجب أن يعيده جيشا للدولة لا سلطة لأي جهة سياسية عليه. صحيح أن القرار 1559 أعطى هذا الجيش دورًا في الجنوب وأن القرار 1701 أعطاه دورًا على كامل الحدود البرية والبحرية ولكن في ظل سلاح “حزب الله” وانخراطه في الحرب السورية لم تكن طريق استعادة القرار العسكري والسيادي سالكة. كان على الجيش أن يعبر معمودية الدم وقد عبرها بنجاح. من هنا اعتبرت “القوات اللبنانية” أن معركة الترقيات العسكرية والتمديد لقائد الجيش تدخل ضمن إطار احترام هرمية القيادة العسكرية وقرار الجيش العسكري البحت وتثبيت دوره في الدفاع عن لبنان. حتى قبل هذه المعركة كانت تدرك ذلك. عندما فتحت معركة الأمن الذاتي ضد التكفيريين في سوريا وفي لبنان من أجل خلق إطارات عسكرية تعمل بالتوازي مع الجيش وقفت ضد هذه المحاولة وعندما طالب الدكتور سمير جعجع بتشكيل لواء من أنصار الجيش يعمل تحت قرار قيادة الجيش كان يريد قطع الطريق على المحاولات المستمرة لضرب دور الجيش.

عندما نزلت “وحدات” الحراك الشعبي إلى الشارع سأل كثيرون أيضًا عن موقف “القوات”. أين شارع 14 آذار؟ أين شارع “القوات”؟ منذ البداية أدركت “القوات” أن الشارع يتحرك ضمن دائرة مقفلة. وأدركت أنه إذا كان على قوى 14 آذار أن تتحرك فعليها أن تنظر إلى نفسها أولاً لأن الحرب على الفساد يجب أن تكون في صلب قضية لبنان أولاً التي تحملها. فشارع 14 آذار هو شارع هذا الشعار. ولذلك كان خطاب الدكتور سمير جعجع في مناسبة ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية موجهًا ضد الفساد والفاسدين.

“القوات” تدرك أنه في ظل الأوضاع التي تمر فيها المنطقة لا دور للشارع اليوم في صناعة التغيير ولكن هذا لا يعني أن هذا الدور لن يكون مطلوبًا في لحظة معينة. قبل 14 شباط 2005 من كان يراهن على هبة الشارع. كان عهد الوصاية يراهن على وهن هذا الشارع لا على هبته. ولكن هذا الشارع قال كلمته في اللحظة المناسبة في 14 شباط وفي 15 شباط وفي كل يوم قبل 14 آذار ولم يخف لا من سلاح “حزب الله” ولا من سلاح جيش النظام السوري. المسألة لا تتعلق بالتظاهر لمجرد التظاهر بل باللحظة التي يجب فيها أن تتظاهر. ولذلك على 14 آذار أن تحافظ على القضية التي تجمعها أولاً. فالأحداث في المنطقة ذاهبة في اتجاه واضح. عندما توجه إيران و”حزب الله” والنظام السوري نداء استغاثة إلى الرئيس الروسي وتدعوه للتدخل لتجنب سقوط النظام وحصول كارثة فماذا يعني ذلك؟ بعد خمسة أعوام من الإنخراط في الحرب السورية وصلت إيران و”حزب الله” إلى الطريق المسدودة. هذه ليست معلومات يوزعها خصوم النظام السوري وإيران و”حزب الله” بل هي من داخل البيئة الحاضنة والمؤيدة لهم. عندما تكون الصورة على هذا النحو هل يجوز السؤال عن تظاهرة صغيرة في وسط بيروت أو عن حراك ينتهي مع عدد قليل من الأشخاص الى الطريق؟

المسألة لا تتعلق بقطع طريق. ثمة طريق ستفتح أمام التغيير ولم تحن ساعته بعد.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل