#adsense

كنا هناك – نبيه الخوري: من المتراس الى البرَّاد الى المتراس

حجم الخط

في دير القمر ولد نبيه الخوري في العام 1950 وترعرع فيها. ولم يكد ينهي المراحل الدراسية حتى بدأ يتدرّب على حمل السلاح وفنون القتال. كان ذلك في العام 1969 وتعرّف الى النائب جورج عدوان الذي كان يشارك في عمليات التدريب ويعمل على تأسيس “التنظيم”. التحق نبيه أو “أبو نمر”، كما كان يلقب أيام الحرب، في صفوف المقاتلين منذ بداية الحرب وأولى المعارك التي شارك فيها كانت معركة الدامور. عن هذه الحقبة التي طبعت الكثير في ذاكرة “أبو نمر” كان الكلام الذي يختصر سيرة مقاوم في صفوف “القوات اللبنانية”. 

انضمّ “أبو نمر” في البداية إلى “التنظيم”، وشارك خلال تلك الفترة في حرب الـ100 يوم، وأصيب إصابة بالغة جدّاً، ثم انتقل إلى العمل الإداري داخل “القوات”، وقاتل في صفوفها بعد شفائه. وعلى رغم إصابته البليغة إلا أنه لم يتراجع يوماً ولم يشعر بالخوف. على العكس ازدادت عزيمته وأصبح أكثر قوة”.

يعتبر نبيه أن “الانتماء إلى حزب “القوّات” لا يقتصر على حمل بطاقة، الانتماء هو عقيدة وإيمان. وأنا آمنت بقضية “القوّات” لأنها ترجمت مبادئي وقناعاتي. لم نحمل السلاح حبًا بالقتل والحرب بل للدفاع عن أرضنا وأهلنا ووجودنا، خصوصًا أن الوجود المسيحي كان في خطر. “القوات اللبنانية” بدأت كميليشيا مسيحية، لكننا مع الوقت تحوّلنا إلى جيش مثالي وذلك بفضل الخطط التي وضعها الدكتور سمير جعجع وبفضل التنظيم، فكانت “القوّات” المؤسسة الأولى التي قامت بإطلاق مشاريع تفيد المواطنين وتحول دون بقاء أي شاب مسيحي من دون وظيفة أو منزل يأويه. ما من مؤسسة مسيحية أو حزب مسيحي آخر قام بتلك المشاريع”.

ويتابع نبيه: “توظّفت في “مصلحة كهرباء لبنان” وبقيت موظّفاً خلال الحرب وحتى بعد انتهائها، والآن أصبحت متقاعداً. خلال فترة الحرب لم نكن ملزمين في تأمين دوام، فكنت أعمل في النهار وأذهب الى القتال في الليل وعندما تقوى المعارك نبقى في الجبهات. كان أهلي يمتلكون مقهى في دير القمر ولم يمانعوا في انضمامي إلى صفوف “القوّات” على العكس شجّعونا أخي وأنا على المشاركة في الحرب، شقيقي حارب أيضاً في صفوف القوّات اللبنانية”.

الإصابة خلال حرب ال100 يوم:

يروي أبو نمر كيف أصيب خلال حرب الـ100 يوم في الأشرفية ضدّ السوريين: “في صباح ذلك اليوم كنت ورفاق النضال نقف وراء متراس مشاتل شمص، أطلق علينا السوريون قذيفة أر. بي. جي. فوقع المتراس علينا وأصبنا بجروح طفيفة. لطالما علقت حول عنقي “ذخيرة” من خشب صليب يسوع المسيح، انقطع الحبل بسبب القذيفة حاولت إيجاده لكنني لم أستطع. توجّهت بعدها إلى مركزنا في كنيسة سيدة لورد لأستحمّ وأبدّل ملابسي قبل التوجّه مجدّداً إلى أرض المعركة، رافقني أحد أصدقائي ويدعى طوني قلت له “انقطع حبل ذخيرة عود الصليب يا طوني إذاً سأموت اليوم في المعارك” لأنني كنت مؤمناً جدا بأنها تحميني في كل المعارك. أحضرت ورقة محارم ودوّنت عليها بكَم أدين لكل شخص وطلبت من طوني أن يعطيها لأخي لكي يفي للناس ديوني بعد موتي”.

 

كان السوريون متمترسين على مبنى الكالوت فشنوا هجومًا على متراس “القوات” في الجهة المقابلة وعندما حاولوا صدهم أصيب نبيه بأوّل رصاصة دخلت من صدره وخرجت من ظهره.

يتابع: “وقعت على الأرض ما بين المتراسين، بعد أوّل رصاصة أصابتني ما عدت أستطيع تحريك يدي اليسرى، واخترقت الرصاصة الثانية رجلي فنزفت كثيراً حتى كدت أفقد الوعي، لم يستطع رفاقي الاقتراب مني لإسعافي وسحبي من أرض المعركة بسبب كثافة النار. رموا لي حبلاً وجروني الى ناحيتهم لكن الحبل انقطع بعدما أصابه الرصاص المنهمر، مرّ ربع ساعة وأنا أنزف، ما عدت أرى أمامي لكنني كنت أطلب من العذراء أن لا أموت على الطريق. عاود رفاقي رمي الحبل ولكنني لم أعد أستطع رؤيته، مددت يدي اليمنى ورحت أتحسّس الأرض لألتقط الحبل، مسكته بأسناني ولففته حول يدي وتمكن رفاقي من سحبي ونقلوني إلى مستشفى أوتيل ديو”.

فقد نبيه وعيه وما عاد يشعر بشيء، لاحقاً أخبره رفاقه أنه عند وصوله إلى المستشفى أدخله الممرضون إلى البرّاد على أساس أنه توفّي “بعد فترة قصيرة فتحوا البرّاد ليضعوا قتيلاً آخر فيه فانتبهوا إلى وجود نبض في جسدي. أخرجوني بسرعة وأخضعوني لعملية استمرّت تسع ساعات وبقيت في غرفة العناية الفائقة عدّة أشهر. كنت أسمع الممرضات يردّدن “شو بعدو عم يعمل هون هيدا؟ مش على أساس رايح؟” عندما فتحت عيوني للمرّة الأولى في العناية الفائقة خفت أكثر من إصابتي في المعركة لأنني رأيت كاهناً يمشحني، لم يصدّقوا أنني بقيت على قيد الحياة وأنني لم أصب بشلل”.

عثرت الممرضات في المستشفى على الذخيرة التي أضاعها نبيه معلّقة في ثيابه من الداخل “وهذا ما ساعدني للبقاء على قيد الحياة”.

بقي نبيه حوالى العامين في المستشفى يتلقى العلاجات لكنه حالما استطاع المشي عاد إلى ساحات المعارك وشارك في معركة الطيّونة.

يؤكّد نبيه “إذا عادت الحرب سأحمل السلاح وأعاود وأقاتل بقناعة أكبر على رغم إصاباتي. لم أبتعد يوماً عن النشاطات الحزبية، خلال وجود الدكتور سمير جعجع في الاعتقال كنت ناشطاً في الحزب، وأحضر الاجتماعات السريّة”.

تعرّف نبيه خوري إلى الدكتور سمير جعجع في الحرب. يقول عنه: “نحبّه لأنه مخلص للقضية، ولأنه مثلنا أتى من عائلة متواضعة ولم يرث الزعامة من أي شخص، بنى مسيرته السياسية بعصامية ودخل قلوب الناس من دون استئذان”.

“ما يجرح هو تنكّر بعض المسيحيين لنا ولنضالنا وللقضية التي دافعنا عنها. قد تظهر الكثير من الطفيليات التي تهدف إلى محاربة “القوّات اللبنانية”، ونحن نعلم أن “حزب الله” يموّل تلك الطفيليات، لكن مهما حاولوا لن ينجحوا لأن المجتمع المسيحي يعي مدى التضحيات التي قدّمتها “القوات” وما الذي تقوم به من أجل المسيحيين”.

عند انتهاء الحرب تعرّض نبيه خوري للكثير من المضايقات والملاحقات بسبب تمسّكه بالقضية حتى أنّ أحدهم أحرق منزله. بعد انتهاء الحرب تزوّج نبيه ورزق بفتاتين أورثهما ولاءه لـ”القوّات اللبنانية” ووفاءه للقضية.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل