.jpg)
عادةً تأخذ كتاباتي عن الفدرالية حيزاً واسعاً من ردود أفعال القراء. وعادةً أكتفي بقول رأيٍ أو عقدِ مقارنةٍ، من دون أن أتوسع بالرد على الردود.
هذه المرة، والأيام المنصرمة كانت أيام الكلام على الميثاقية، وعلى الإنتهاك المستمر لحقوق المسيحيين في المشاركة في السلطة، أحببت أن أتفاعل أكثر مع الردود، خصوصاً أن إشكالية الميثاقية، قد لا نجد لها حلاً إلا بالفدرالية!
من الردود: “الوقت غير مناسب لطرح الفدرالية”. اذا كنا، وبعد مئة سنة، لم نجد بعد الوقت المناسب لبحث الفدرالية، فهذا يعني أن المشكلة ليست في الوقت بل في الرجال!
وإذا كانت مشكلة الميثاقية تطرح في لبنان كل اسبوع، وعند كل قانون، وفي كل خطاب، فكيف يكون هناك دائما متسع من الوقت لطرح المشكلة، ولا يكون هناك لحظة واحدة لطرح أحد الحلول؟
ومن الردود اللافتة، أن الفدرالية مطبقة في بلدان مساحاتها شاسعة جداً. لقد حاولت أن أجد دولة اعتبرت أن من اسباب اعتمادها الفدرالية هي المساحة فلم أجد. وحين جئت على سيرة فدرالية الولايات المتحدة، كان من باب استغرابي تشديدها على الفدرالية. كنت اعتقد أنها ذات ثقافة واحدة، فتبين لي أن الفدرالية ممكنة ومطلوبة ولو كانت الفوارق الثقافية غير متباعدة كثيرا، فكيف الحال بلبنان حيث الفوارق الثقافية أوسع من مساحة اميركا!
وإذا عدنا الى حجم المساحة، فجارتنا قبرص أصغر من لبنان. وحين تعذرت صيغ التعايش الاسلامي المسيحي، بين مسلمين أتراك، ومسيحيين يونان، انقسمت قبرص الى دولتين!
في قبرص الصغيرة يعتبر المسلمون فيها أنهم مسلمون وأتراك. والمسيحيون يعتبرون أنهم مسيحيون ويونان. ووقع التقسيم عندما اجتاحت “تركيا العلمانية” نصف الجزيرة، وأقامت للمسلمين دولة.
كان ذلك في زمن قريب من اندلاع الحرب اللبنانية! واليوم، ورغم كل المفاوضات بين الدولتين القبرصيتين، ورغم عدم اعتراف الامم المتحدة بقبرص التركية، لا أحد يعتبر في أنقرة أو في أثينا أو في نيقوسيا أن الحل هو بالعودة الى ما كان قبل التقسيم. شيء من فدرالية فضفاضة يُطرح كحل، ورغم ذلك لا يبدو أنه حل قريب.
عودةٌ الى “الميثاقية” التي كَثُرَ الكلام عليها هذه الايام بسبب جلسة في البرلمان. يحرص الشيعة كثيرا على تحالفهم المسيحي مع “التيار الوطني الحر”. ويحرص السُنة كثيرا على تحالفهم المسيحي مع “القوات اللبنانية”. ورغم ذلك الأمور ليست على ما يرام. المسيحيون يشعرون بأن تحالفاتهم المتينة مع شيعة من هنا، وسُنة من هناك لم تصل الى حد تكريس حقوقهم في المشاركة الوطنية. اذا كان التحالف مع كل المسلمين لم يحقق المشاركة، فهل ثمة عاقل يعتقد أن تلك المشاركة قد تصبح أقرب إذا حصل التباعد في يوم من الايام؟
إذا كان سعد الحريري المنفتح، ونبيه بري المعتدل، وحسن نصرالله المتمسك بحليفه المسيحي، ووليد جنبلاط الجاد بمصالحة الجبل، إذا كان كل هؤلاء عاجزين، عند ساعة الحقيقة، عن الإقرار بضرورة قيام مشاركة مسيحية فعلية، فأي طينة من المسلمين هي أفضل منهم؟ والى أي وقت سنبقى ننتظر؟ هذا السؤال عن الوقت هو أيضاً برسم من يقول أن الوقت غير مناسب، لوضع الفدرالية موضع النقاش.