.jpg)
في فرنسا، تستعين مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام بالفلاسفة لتفسير أي حدث جلل، بما في ذلك الظواهر الإرهابية.
وخرج كثيرون من رتبة “فيلسوف” إلى العلن، ليعطواآراءهم بتنظيم “داعش”، فأضافوا تعقيدات على التعقيدات.
بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس ومدينة “سان دوني” المجاورة، بدا “داعش”، كأنه رسوم إسقاط العقد المخفية، في علم النفس.كل ينظر الى ارتكاباتهمِن زاويته.
التنويع في النظرة السياسية معروف. كل طرف يتهم عدوّه بالوقوف وراء “داعش”. كل يحاول أن ينال من الآخر باتهامه بـ”داعش”.
بشار الأسد ومعه إيران وروسيا يتهمون خصومهم بدءا بالولايات المتحدة الأميركية، مرورا بتركيا، وصولا إلى دول الخليج. والعكس صحيح أيضا.
أما فلاسفة علم الاجتماع، فيجزمون أن “داعش” صنعته معادلات مختلفة عن المعادلات التي سبق لها وصنعت “القاعدة”، فإذا كان التنظيم الذي أنشأه أسامة بن لادن، وجد مجنديه في السلفيين الإسلاميين الذين خاب ظنّهم برعاتهم بعد انتهاء حربهم على الجيش السوفياتي في أفغانستان، فإن “داعش” يجذب إلى الراديكالية هؤلاء الخارجين عن القانون، فيستخدمهم، بعد إضفاء البعد الديني المتشدد،على سلوكياتهم المنحرفة أصلا.
أما الفلاسفة الاقتصاديون، فيرون أن “داعش” لم يكن قادرا على إيجاد هذه الأعداد غير المسبوقة ممن ينتحرون، لو كان الشباب يرون كوة أمل في الوضع الاقتصادي المسدود الأفق. البطالة، بالنسبة، لهم، هي الرحم الذي ينجب فيه “داعش” أولاده.
ولكن، يبدو أن هؤلاء يهدرون الوقت في التفتيش عن دليل يؤكد نظرياتهم، مما يلهيهم عن طرح السؤال الأهم: ماذا يريد داعش؟
صحيح أن السؤال عن السبب مهم في سياق الحرب العالمية المعلنة على “داعش” الذي كان، بدوره، قد أعلن حربا على كل العالم، ولكن الأهم، وهذا ما بدأ كبار الإستراتيجيين باستشرافه، معرفة ماذا يريد “داعش” بالتحديد.
التدقيقبارتكابات هذا التنظيم، يوصل إلى نتائج مذهلة: يريد توحيد العالم ضده. يريد تقوية حجج من يناصبون المعارضة السورية وداعميها العداء. يريد أن يعطي إيران براءة ذمّة وبشار الأسد قدرة حياة وروسيا شرعية الهجوم.
هل هذا ناجم عن غباء أم عن مؤامرة؟
العالم يرفض نظرية المؤامرة. لا يقبل فرضية ربط “داعش” بالكيانات التي تفيدهاارتكاباته. والمراقبون لا يقبلون بفرضية الغباء، فإنّ ما يقوم به “داعش” مذهل، بشريا وتقنيا.
ثمة استنتاج بدأ يفرض نفسه على الجميع: “داعش” يريد قيادة سنّة العالم!
هو يريد أن يقتنع السنة في العالم بأن واشنطن البروتستانتية وموسكو الأرثوذكسية وباريس الكاثوليكية تتحالف مع طهران الشيعية ودمشق العلوية، في ظل تواطؤ أو عجز الأنظمة الإسلامية، لمنع السنة من الوجود في “كيان قوي”.
من هنا، صدرت نداءات كثيفة من خبراء سياسيين تنبّه من مغبة الوقوع في فخ ينصبه “داعش”، وضرورة أن تتواكب الحرب المعلنة عليه في “دولته الإسلامية” الممتدة في العراق وسوريا علىمساحة تكاد تقارب مساحة بريطانيا.
والتنبيه يقوم على ركائز عدة من بينها، دعوة تركيا ودول الخليج تتقدمهم المملكة العربية السعودية إلى الإنخراط في هذه الحرب مقابل إخراج كل الميليشيات الشيعية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني من سوريا والعراق وإسقاط بشار الأسد.
وعلى قاعدة هذا التنبيه، بدأت دول كانت قد ارتضت، منذ غزوة باريس، تحييد الأسد إلى إعادة وضع رأسه على طاولة الحل، ومن هنا أيضا يأتي قرار الكونغرس الأميركي ضد “حزب الله” اللبناني.
وثمة من هو مقتنع في الدوائر العالمية بأن “داعش” يتبع السيناريو الإيراني، في محاولة إرساء كيانه.
وكما أن الثورة الإسلامية في إيران حاولت تجنيد الشيعة في كل العالم من أجل أن تحقق ثباتها لتتمكن من إقامة جمهوريتها المعترف بها وبدورها الإقليمي، كذلك يفعل “داعش”، الذي يرى أن قدرته على استقطاب خمسة في المئة فقط من السنة المنتشرين في العالم، يعينه على ربح معركته.
ونسبة الخمسة في المئة هذه، كانت كافية بالتجربة ليسيطر على الجزء السني من العراق وليتمدد في غالبية الستين في المئة من مساحة سوريا التي خسرها نظام بشار الأسد.
وفي أوروبا تراوح نسبة المسلمين من السكان بين 4 و8 في المئة، وتوجد بينهم نسبة كبيرة تشعر بإشكاليات الهوية، فالمذهبية، في هذا العصر، تطغى على المواطنية، والمشاكل الإقتصادية التي يعانيها القسم الأكبر من هؤلاء تُعطى تفسيرات مذهبية مما ينتج تقوقعا اجتماعيا وحالات انحرافية تتأثر بنظريات المؤامرة.
وعلى هذا الأساس، فإن ورشة كبرى تطلبها مراكز الدراسات الجدية في العالم لتجفيف “مشروعية” تنظيم الدولة الإسلامية قبل التمكن من القضاء عليه عسكريا.
وفي اعتقاد هذه المراكز فإن القضاء على “المشروعية “أسهل بكثير من القضاء على الوجود عسكريا.
ويشير هؤلاء إلى سيناريو “عين العرب” أو “كوباني” السورية، فتحريرها من “داعش” كان مستحيلا قبل تدميرها عن بكرة أبيها، ويتذكر هؤلاء ما قاله آخر مقاتلي “داعش” وهو ينسحب من هذه المدينة:” عندما لم يعد هناك أي حائط أختبئ وراءه إنسحبت.”
وهم يرون أن لا الأوروبيين ولا الاميركيين على استعداد لإنزال قواتهم البرية الى مناطق “داعش” في حين أن تجمعهم مع روسيا للتنسيق ميدانيا مع الجيش السوري النظامي والميليشيات الشيعية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني، سوف توفر لـ”داعش” مزيدا من المشروعية السنية، الأمر الذي سيرتد سلبا على دول بعيدة من سوريا، وفي مقدمها أوروبا.
إذن، كيف يكون تجفيف المشروعية؟
في اعتقاد مراكز الأبحاث الجدية، لا بد من الآتي:
أولا، إعادة النظر في استراتيجية باراك أوباما السورية، التي يعتقدون بأنها تتحمل، إلى حد كبير، مسؤولية ازدهار “جاذبية” التنظيم الداعشي. فأوباما رفض إقامة منطقة آمنة في سوريا، مما أغرق الدول المحيطة بسوريا وأوروبا باللاجئين، وهو تراجع عن وعد ضرب بشار الأسد بعد ثبوت استخدامه للسلاح الكيميائي مما أحبط معارضي الأسد من الغرب وجعلهم يتبنون الخطاب الإسلامي الراديكالي بصفته الحل، وهو استجاب لدعوات إبقاء الحرب مفتوحة في سوريا ليتقاتل فيها جميع خصوم الولايات المتحدة الأميركية، مما دفع سوريين إلى أحضان التطرف في مقابل قيام حلف إيراني- روسي بالتدخل بعنف مفرط لمصلحة الأسد.
ثانيا، الإصرار على أن العمليات الإرهابية التي تضرب الغرب عموما وأوروبا خصوصا، لا تدخل في سياق حرب بين المسلمين والمكونات الوطنية الأخرى، وهو ما يفسر إصرار الرئيس الفرنسي في كلمته بعد مجزرة 13 تشرين الثاني على التأكيد أن بلاده ليست في “حرب حضارات”.
ثالثا، تحرير المناطق التي تسكنها غالبية مسلمة من سطوة “الاقتصاد الموازي” القائم على الإتجار بكل ما هو محظور وممنوع، وبسط سلطة الدولة عليها، قوة ورعاية، ليكون المواطن مرتبطا بالدولة وليس بـ”قبضايات المافيات”.
رابعا، تسليم المنابر الدينية للمعتدلين وعدم السماح للمتطرفين بإعلاء كلمتهم.
خامسا، التوافق مع الدول المعنية بوضع حد لـ”داعش” على “أجندة” سياسية في سوريا والعراق تمنع ازدهار خطاب المظلومية.
الورشة التي تنتظر العالم ليتمكن من القضاء على “داعش” كبيرة وتحتاج إلى شجاعة سياسية ووطنية، ولكنها وحدها التي تكفل النجاح، لأن الطوابق التسعة تحت الأرض التي يختبئ بها مقاتلو “داعش” لا تصل إليها الصواريخ حتى لو كانت عابرة للقارات، ولا يمكنها أن توقف تدفق من يزنّر نفسه بحزام الموت ولا من يدس في الطائرات تنكة “شويبس”.