#adsense

الشهادة… قمح وبربارة

حجم الخط

ينقر الباب على الخفيف، تفتح الحكاية، ثمة دفء، اقعدي ستي ع الطرّاحة، اقتربي من الموقد الهبي الحطب، هادا كانون والبابور لازم يضل ولعان، تخرج ستي الى المطبخ، يا ويلي مشوار الصقيع، تضع على النار طنجرتين، قمح وذرة، ويبدأ الغليان، الذرة أكثر عنادا القمح أكثر حنانا ينضج أسرع، لا رياح الليلة انما ثلج يتمايل على تراقص الانفاس، قليل ويقرع الباب، ستي تتحضّر جيدا، هذه ليلة عيد البربارة والزوار كثر، أولاد الحي يجتاحون خزائن أهاليهم، قليل ويطل فلاح برفقة الفعالة، من بعده عروس، ختيارة وختيار، صبي بلباس صبية، صبية ببدلة شب، طباخ، نجار، أميرة، ملاك…وحكايات. لم نكن نعرف وجوه الاموات والوحوش ولا حكايات الرعب تلك، نعرف أن ساحات الضيعة ستكون لنا وحدنا في تلك الليلة وبقناعتنا الكاملة ان القديسة بربارة ترافقنا في جولاتنا، تسبقنا الى الابواب، تقرعها بضحكة وتعرف أن من يستقبلنا ببسمته قبل وجهه فيه من روح يسوع.

تتهيأ ستي لاستقبال الضيوف الطارئين، هو ليل وقد يكون غدا مدرسة، لا يهم، هذه ليلة السماح بالمخالفات وساحات الضيعة تعرف أن ثمة ضجيجا استثنائيا ينتظرها في هذه الليلة.

كنا نحب دائما أن يتكرّم علينا أهل الضيعة بالمال، لكن عند ستي لا أموال تغدق هنا انما حلويات وأطايب، الكثير منها “المصاري مش حلوة ستي بهالعيد الحلوينة من معجن العيد أحسن”. ستي تحب البركة وفي المعجن قطايف ومعكرون تطعم منها الاطفال ولكل منهم أيضا كمشة جوز ولوز وزبيب، لكن يا ستي الاولاد وأنا منهم، نريد المال، ليرة من هنا وليرة من هناك حلوين غلّة العيد “شو بدك بهالحكي يا ستي يقطع المصاري لـ بيحب المصاري نفسو مش شبعانة شوفي القديسة بربارة تركت مال الدني ولحقت بيسوع”.

ستي بفطرتها وطيبتها وايمانها المطلق الصافي، لم تنس أن الليلة ليست فقط للتنكر والضيافة انما هو عيد القديسة الشهيدة. أترك ستي تنتظر أن ينضج القمح، البس ثيابها خلسة، أمرمغ بقلم التلوين الاحمر شفاهي وخدودي، لا تملك ستي قلم الحمرا ولا كحل العيون، والتحق برفاقي وأعود بعد دقائق لارقص على باب ستي وهي لا تعرفني “هاشلي بربارة مع بنات الحارة هاشلي بربارة والقمح بالكوّارة”، تغرق بالضحك حتى البكاء، تهرع الى سلة الاطايب وتكمش بقبضتها خير كوارتها “فوتوا يا ولاد كلوا قمح سخن” ونتحلق حول بابور ستي واخلع عن رأسي منديلها المزركش “ريتك تفطسي هيدي انتِ؟ طرّيش” ونجلس على الارض نأكل بنهم، نخبر ستي عن مغامراتنا، عن ذاك الرجل البخيل في الضيعة الذي رفض أن يفتح لنا بابه وبالقوة فعل ولما انتهينا من اغنياتنا حمل عصاه وطردنا مزمجرا ” انقبروا فلّوا من هون” ولم نفعل قبل أن نرشق بابه بالحجارة، تضحك ستي من قلبها “حرام عليكن هيدا مش سامع بقصة القديسة بربارة” ونتحلّق حول دفء الحكاية ونسمع ستي تروي كيف هربت الصبية الجميلة في حقول القمح وأكلت منها لذلك نزرع القمح للميلاد ليلة عيد البربارة، وكيف تقنّعت لتهرب من ظلم والدها وكيف أصرّت البقاء على ايمانها قبل أن يقطعها والدها..

وينتهي الليل سريعا، ننام في حضن الحكاية ولا ننسى عمر البراءة من دون أقنعة، ونحاول أن ننسى أن الحياة صارت أقنعة، وأن القديسة الصبية الشهيدة اختارت الموت على الكذب، آثرت الايمان بدل النكران في مقابل الحياة، علمت ان الحياة هناك عند يسوع، وان الشهادة لاجله هي الحياة.

نامت الحكاية، نامت ستي في قلب الحكاية وأخذت معها كل الحكايات الباقية، وانا ما زلت أجلس قرب الموقد، ستي تحكي حكاية القديسة بربارة، أنتظر أن يقرع الباب لآتي مع الاطفال، ولن البس بعد اليوم الا ثوب ستي ومنديلها المزيّن بالاويا، وأستمع اليها في ضوء الحب كلما حانت لي فرصة الحنين والحنان…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل