دعوة ايران هي الرد السوري على غياب العرب عن القمة
حسن صبرا
لم تكد تمضي 24 ساعة على اعلان واشنطن ارسال المدمرة الاميركية ((كول)) الى المياه الاقليمية قبالة سواحل لبنان وسوريا، حتى ردت دمشق عبر أحد اختراقاتها للحالة الاسلامية في سوريا النائب الاسلامي محمد حبش، الذي اعلن ان دمشق ستدعو ايران الى حضور القمة العربية المقررة على اراضيها يومي 29 و30 آذار/مارس 2008، فيكون هذا هو الرد السوري الرسمي على ما اعتبرته جماعات سوريا في لبنان وفي مقدمتهم حزب الله تهديداً عسكرياً سيواجه كما ووجهت القوات الاميركية عام 1984، بعد عدة اشهر من تفجير مقر مشاة البحرية الاميركية في تشرين اول/اكتوبر 1983، والمتهم بتدبيره المسؤول العسكري في حزب الله عماد مغنية.
ودعوة ايران الى القمة العربية بغير رضا مؤسسة القمة نفسها ليس موجهاً ضد التحرك العسكري البحري الاميركي في المياه الاقليمية شرق المتوسط فحسب، بل هو ايضاً رد على ما تردد في لندن والقاهرة بإمكانية طرح تأجيل عقد القمة العربية لمدة شهر او شهرين حسبما تردد كإقتراح حمله امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى الى دمشق لاعطاء فرصة عربية لإنجاح هذه القمة وانتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية هو قائد الجيش العماد ميشال سليمان بعد ان اعلن اكثر من مسؤول عربي وفي مقدمهم الرئيس حسني مبارك ان هناك مشاكل امام انعقاد القمة في دمشق، اهمها مشكلة عدم انتخاب رئيس للبنان ليحضر ممثلاً لهذا البلد في القمة العربية. في حين قال آخرون ان حضوره القمة مرتبط بحل أزمة الرئاسة في لبنان او انه لا يتصور غياب لبنان عن قمة دمشق.
إذن، نحن أمام مسألتين راهنتين، هما مصير القمة العربية في دمشق، والتحالف الاستراتيجي بين دمشق وطهران، خاصة مع اعتقاد سياسيين عرب مطلعين بأن اقتراب المدمرة الاميركية كول (وربما غيرها قد تصل الى تسع قطع) مرتبط بمصير الملف النووي الايراني، حيث يرى هؤلاء ان وجود القطع البحرية الاميركية في شرق المتوسط موجه بالدرجة الاولى الى ايران عشية اجتماع مجلس الامن لبحث فرض مزيد من العقوبات على طهران في حال استمرارها في مسألة تخصيب اليورانيوم الذي يؤهلها لانتاج سلاح نووي تفاخر به ايران لمزيد من التوسع في الخليج العربي والمشرق العربي كله، وتحسباً لرد ايراني عبر حزب الله الذي هدد امينه العام حسن نصرالله بحرب مفتوحة ضد اسرائيل شبيهة بحرب تموز/يوليو 2006 التي جلبت الخراب والدمار على لبنان ما زال يدفع ثمنه حتى الآن، خاصة مع توجيه بندقية الحزب ضد الداخل اللبناني وسياسييه وشعبه.
وليس مصادفة ان تعلن روسيا انها ستؤيد مزيداً من العقوبات على ايران اذا استمرت في عملية تخصيب اليورانيوم، وان تعلن فرنسا (العضو الدائم في مجلس الامن الدولي) انها كانت على اطلاع على التحرك العسكري الاميركي الراهن في شرق المتوسط.
ومثلما ترفض دمشق الربط بين انتخاب رئيس للبنان بحضور القمة العربية معلنة على لسان مسؤوليها الكبار، ان خسارة القمة اسهل كثيراً من خسارة لبنان الذي تريد دمشق اعادة وصايتها عليه كما كانت طيلة 30 سنة (15 سنة منفردة)، فإن دمشق ترفض ايضاً الضغط عليها لفك تحالفها الاستراتيجي مع طهران، الذي تظهر تداعياته في حروب العراق وفلسطين ولبنان سياسياً.. وعسكرياً وأمنياً، والتي تمزق هذه الاوطان الصغيرة وتمزق الأمة العربية كلها، وتهددها بحروب مذهبية لا تبقي ولا تذر.
وهذا يعني،ان دمشق مصممة على استمرار عقد القمة العربية على اراضيها وبمن حضر، اياً يكن الغائبون حتى لو كانوا كباراً كمصر والمملكة العربية السعودية فضلاً عن الاردن والمغرب والكويت ودولة الامارات وغيرهم، مكتفية بحضور دول صغرى لا اهمية سياسية عربية لأدوارها في المنطقة.. فهذا في نظر دمشق ليس مهماً.. لأن المهم عندها انها لن تفك تحالفها مع طهران، ولن تسمح للبنان بانتخاب رئيس له الا اذا كان هذا الرئيس من طبيعة الرئيس الراحل عن قصر بعبدا.
وفي اعتقاد دمشق انها بحلفها مع طهران لن تكون معزولة، بل انها، وكما كرر رئيسها بشار الاسد اكثر من مرة انه هو الذي يعزل العرب وقادتهم، بعد ان كرر مواقفه بأن هناك أشباه رجال، وان الذين يريدون انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً لجمهورية لبنان هم مجرد منتج اسرائيلي، وان ساعة النصر دقت لإخراج هؤلاء من مواقعهم لأنهم في نظره اكثرية وهمية.
إذن،حلف دمشق مع طهران هو الأهم والأبقى، مثلما استعادة لبنان تحت الوصاية السورية هو الأهم والأبقى، فلا أهمية لأية قمة عربية او تضامن عربي، لأن دعم ايران للنظام السوري أهم، ولا أهمية لقمة عربية على اراضيها لأن استعادة السيطرة على لبنان هي الأهم لهذا النظام.
سعى العرب كثيراً مع النظام السوري كي يعود الى سربه العربي، وان يتخلى عن دعم المشروع الايراني التوسعي، حتى مع السعي المصري – السعودي مع بشار الأسد لإيجاد مخرج له في مسألة المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقدمت القاهرة والرياض مخارج مشرفة، كأن يسلم بشار الاسد عدداً من ضباطه الذين كانوا يحكمون لبنان عند اغتيال الحريري للمحكمة.. لكن الرد السوري كان مزيداً من الاغتيالات التي طالت سياسيين ونواباً ومفكرين وصحافيين ورجال أمن وجيش في لبنان، وكان مزيداً من التفجيرات في المصالح الاقتصادية للبنانيين، ومزيداً من الاعتصامات والاضرابات والتجييش المذهبي ضد المسلمين السنّة والمسيحيين في لبنان بواسطة اهم أدواته حزب الله، وكان مزيداً من تعطيل المؤسسات وأهمها إقفال مجلس النواب ومحاصرة الحكومة بعد سحب الوزراء المرتبطين بواسطة قياداتهم بالنظام السوري، ومنع انتخاب رئيس للجمهورية، ثم تهديد القضاة اللبنانيين بالقتل ورمي بعضهم بمتفجرات امام منازلهم وتحت سياراتهم.. حتى طفح الكيل العربي، خاصة بعد المبادرة العربية التي انطلقت من اجماع عربي شارك فيه وزير خارجية سوريا.. ثم.
ثم تبين لمن يريد ان يشغل عقله ان نظام دمشق لا يريد من وراءكل ما يدبره في لبنان سوى أمر واحد هو العودة الى حكم لبنان، لاعادة استغلاله ونهبه، واخضاعه سياسياً لمشروعه المرتبط بالمشروع الايراني التوسعي، مستندة الى دعم ايراني لا محدود، وإلى أمان صهيوني بأن اسرائيل لن تتعرض لنظام سوريا.. فهو ما زال حاجة استراتيجية لأمن اسرائيل.. وليس مهماً بعد ذلك لا قمة عربية، ولا تضامن عربي، فخيار النظام السوري واضح للجميع، نحن مع ايران ولم يعد لنا أي حاجة للعرب، في انتظار الخطوة السورية التالية وهي تشكيل محور عربي جديد مضاد للأكثرية العربية على نسق جبهة الصمود والتصدي الراحلة.. مدعوم هذه المرة بالمال الايراني والشهية الايرانية للتوسع.