كل الصقيع الذي في هذا النهار لا يبرّد قلب حسين يوسف والد العسكري المخطوف محمد يوسف على ابنه، منذ لم يعد في الخيم الثلاث سواه ، وعدد قليل من أهالي العسكريين التسعة المخطوفين لدى “داعش”.
وحيداً يتأمل في صور العسكريين الـ16 المحررين، يفرح ويبتسم ولا يخفي غصّة الأب الذي لا زال لا يعرف شيئاً عن ولده ورفاقه منذ آخر زيارة قامت بها الامهات للجرود قبل عام وقبل أن تنقطع أخبارهم نهائياً. وهو يختصر واقع حاله في اليومين الأخيرين، بالأب المصدوم الذي عزّ عليه أن لا يكون ابنه في زفّة الساحة بينما تلاقي أبناءها العائدين، ومن حينها يجافيه النوم فيما يواجه مع بقية الاهالي أقدار أولادهم التي لا يعرف ماذا كتب فيها.
وفي عزّ فرحة تحرير الأسرى، كان مقبل ابن العسكري المخطوف خالد مقبل حسن من بلدة فنيدق يسأل أمه وضحة: “هل يكون عاد أبي؟” فيما عيناه تغزل السؤال المفتوح على التمديد لشتاء ثان مكتوب عليه، مثلما هو قدر شقيقته أزاد التي كبرت عاما وأربعة أشهر في غياب والدها، ومثلها حال “حسين” ابن الجندي المخطوف محمد يوسف من بلدة مدوخا البقاعية، وكذلك ماريا التي منذ ولدت قبل عام تبحث في الوجوه عن والدها ابراهيم مغيط ابن بلدة القلمون الشمالية، والذي لا يزال صورة ترتفع على الجدران وفي أعلى الخيمة المنصوبة وسط ساحة رياض الصلح.
وفي الإنتظار يسأل تامر، ومعه شقيقه لؤي، إن كانت الزغاريد ونثر الورود والأرزّ تمهّد لعودة والده العسكري المخطوف سيف ذبيان. يفكّر في أنه قد يطل من إحدى الجهات الأربع للساحة، ثم أنه يعانق والدته ويأخذهم إلى “الملاهي” أو ربما إلى الثلج الذي بدأ يتراكم في سنة ثانية على الغياب، ومن ثم يعود معهم الى منزلهم في مزرعة الشوف.
ومن خلف التلفاز في حورتعلا يتحلّق الأبناء الخمسة للعريف المخطوف علي زيد المصري : عباس وحسين وحنين وبنين وزيد. يتابعون بصمت وبحذر وبغصّة، ولا يجرؤون على سؤال والدتهم زهراء: ماذا عن والدنا؟ ، فهم بخبرة السنة الأخيرة منذ انقطعت أخبار والدهم بات السؤال يحمل الدموع الى عيني والدتهم ولا يريدون لها أن تبكي مجدداً. وببراءة الأطفال يطمئنونها: بكرا لما يطلع بابا من الأسر نحنا كمان رح نستقبلهم استقبال الأبطال.
وما بين فنيدق العكارية وساحة رياض الصلح يرسم والد الجندي المخطوف حسين محمود عمار فضاء أكثر تفاؤلاً من واقع الحال، كأن يزفّ ابنه محرراً من السراي الى رياض الصلح الى كل البلدات العكارية، ومن بعدها يزفّه ثانية عريساً برسم الحياة لا الشهادة.
وهي المشهدية نفسها التي تحضر كلما أغمضت والدة العسكري المخطوف عبد الرحيم دياب ابن بلدة بر الياس عينيها في عتمة الخيمة المنصوبة والتي لا تزال تحتفظ فيها بحقيبة ثياب أعدتها لابنها ولم تتمكن من إرسالها بعد انقطاع أخبار كل العسكريين المخطوفين لدى داعش. وهي أيضاً كانت تخطط لأن تزوّجه بعدما خطف الموت والده وشقيقه لكنّ الحرب المباغتة استعجلته الى تجربة هي الأخرى مرّة ولا يحسد عليها.
وفي شمسطار تنتظر والدة العسكري المخطوف علي الحاج حسن ابنها، متنقلة ما بين البلدة البقاعية وساحة الأهالي في رياض الصلح، فيما تسأل خطيبة ابنها: “إذا طلع علي أي الطرق تكون الأقرب للقياه؟”.
وليس بعيداً تنتظر في اللبوة زوجة الجندي مصطفى وهبة عودته بينما تتمعن في آخر صورة أرسلها قبيل أختطافه، أما والدته التي لا تفارق السيجارة يدها منذ أسر ابنها، فتسلّم أمره لله وتنتظر وتسأل: متى يكون احتفالنا نحن؟ وهل سنفرح؟.
وما بين الدموع والزغاريد وغصة الحرية والمصير المعلّق، تبقى الساحة بخيمها المنصوبة شاغلة لشتاء آخر قد يحمل الربيع للأبناء، وقد يحمل مزيداً من الانتظار..
فأي الزفّات تسبق إلى الساحة يا خيم ؟.