
متنقلاً ما بين “الأحرار” و”الكتائب” و”القوات اللبنانية” رسم وجيه عبود مسيرة مقاتل أبى أن يستسلم على رغم الإعاقة الجسدية التي تعرّض لها بسبب الرصاصات التي اخترقت جسده. من بيت الدين في قضاء الشوف قرّر إبن الثامنة عشر ربيعاً خوض الحرب والدفاع عن قضية الوجود والوطن فاستحقّ عن جدارة وسام حرب الجبل. قضية آمن بها بشدّة ودافع عنها بشراسة ولا يزال فكان إبن المقاومة المسيحية الحقيقية.
يروي وجيه عبود: “كنا نسكن في جسر الباشا وكنا نشاهد كيف يحضر الفلسطينيون السلاح الى مخيّم تلّ الزعتر في الباصات ويوزعونها على بعضهم استعداداً للحرب. هذا المشهد يستفزّنا وكان سبباً وجيهاً لشراء الأسلحة والاستعداد للحرب. شخصياً بدأت التدريب مع “الكتائب”، فكنا نتدرّب كفريق كرة قدم في منطقة إهمز وكنت طليع الدورة ثم انتقلنا من التدريبات الرياضية إلى التدريبات العسكرية”.
شارك وجيه عبود في معارك عين الرمانة والأسواق في بيروت والحدث والجبل ومعارك أخرى صغيرة، وانتسب بدايةً إلى حزب “الكتائب” لأنه كان الأقوى آنذاك فأقسم على الولاء للحزب وحمل البطاقة.
ذات يوم كان وجيه في طريقه إلى منزل إبن عمه في منطقة الحدث فاقترب منه أحد الجنود السوريين وسأله “إنت “كتائب” أو “أحرار”؟ فأجابه “أنا تلميذ مدرسة وبشتغل بمعمل خياطة”، فاقتاده العسكري السوري لعند الضابط المسؤول عنه فعاد وسأله هذا الأخير “إنت “كتائب” أو “أحرار”؟ فأجابه وجيه الإجابة نفسها التي أعطاها للعسكري السوري. ثم بدأ الضابط باستجواب وجيه: “سألني ماذا أعرف عن الأسلحة، أخبرته بأنني لا أعرف شيئاً، على الرغم من أنني كنت أعرف الكثير عنها وعن كيفية استعمالها وإصلاحها. لم تعجب أجوبتي الضابط فطلب من العناصر الذين كانوا حاضرين أن يضربوني ويعذبوني كما أنه هددني بإطلاق ثلاثين رصاصة عليّ إن لم أعترف بانتمائي الى أحد الأحزاب. سجنت في مركز تابع للسوريين وهو كناية عن غرفة صغيرة فيها نافذة مقفلة بقضبان حديد، فكرت بالهرب وحاولت تمرير رأسي من بين القضبان وعندما أصبح رأسي خارج النافذة أخرجت جسمي فأصبحت حرّاً. عندها حاولت أن أتحاشى الحرس أمام المركز خوفاً من أن يقتلوني، فأخذت حجراً عن الأرض ورميته باتجاه معاكس للاتجاه الذي سأذهب فيه، فلحق الحرس صوت الحجر عندها ركضت نحو البساتين ومن هناك هربت ولجأت إلى أوّل مركز لحزب “الأحرار” صادفته وبقيت فترة طويلة هناك حتى بدأت الصراعات بين حزبي “الكتائب” و”الأحرار”.

بعد ذلك انضمّ وجيه إلى شرطة “الكتائب” برئاسة ديب أنستاز. “كنا نقوم بتدريبات. وفي العام 1982 كان الاجتياح الإسرائيلي، وخرجت من الشرطة على إثر خلاف مع ديب أنستاز وعدت إلى الشوف وكان وقتها قد أصبح لدينا ثكنة الجبل فانضممت إلى “القوّات اللبنانية” وبدأت رحلتي التي لم تنتهِ بعد”.
يروي وجيه تفاصيل عاشها على الشكل التالي: “عندما بدأت حرب الجبل كنا في ثكنة المشرف وكان المسؤول عنا إبراهيم الحدّاد. لم يكن هناك قرار بعد من القيادة بمشاركة ثكنتنا في المعارك. كنت أطالب المسؤول عنا بأن يرسلنا لمساعدة الشباب ودعمهم لكنه رفض”. ولكن بعد التطورات العسكرية تم إرسال وجيه مع عدد من رفاقه الى جبهة عين الحور في إقليم الخروب”.
أراد وجيه وعدد من الشباب التوجّه إلى دير القمر، بعد محاصرتها، سيراً على الأقدام. حصل اشتباك بينهم وبين الاشتراكيين وأصيب وجيه في يده، ويقول: “انكفأنا عائدين إلى المركز حيث لم نجد أياً من الشباب لأن الاشتراكيين كانوا قد قاموا بهجوم وكادت المنطقة تسقط. حصل إطلاق نار متبادل أمام المركز، لم تمرّ دقائق حتى وقعت قذيفة فانهار حائط على وجيه “لم أشعر في لحظتها بشيء، لكن بعد ثوانٍ سمعت أحد المسلحين يقول “هيدا قتيل”. لم يتمكنوا من الاقتراب لأن إطلاق النار قد بدأ من جديد بعدما قام شباب “القوّات” بقيادة ابراهيم حداد بهجوم معاكس لاسترداد المنطقة”.
عندما توقّف إطلاق النار كان وجيه لا يزال تحت الركام وتعرّف إليه إبن عمه فعلم أنه لا يزال على قيد الحياة فتم إنقاذه ونقله بواسطة أحد الطرّادات إلى الحوض الخامس حيث تم إدخاله المستشفى للعلاج. ويقول وجيه: “خسرت عيني اليمين وأصبت في يدي وكتفي ورأسي ورجلي، الرصاصة التي اخترقت عيني استقرّت بمحاذاة الدماغ وقد عجز الاطباء عن إزالتها خشية إصابتي بالشلل. والى اليوم وصل عدد العمليات التي خضعت لها بسبب هذه الإصابة الى 43 عملية”.
بعد تعافيه عاد وجيه إلى الثكنة على رغم إصاباته البليغة، كان يسير بواسطة العكازين رافضاً الاستسلام للوجع والإصابات، كان مسؤول الثكنة آنذاك يطلب منه أن يرتاح لأن لا قدرة له على المشاركة في المعارك لكن وجيه كان يعود يومياً. ولكن لم تكن تلك هي النهاية، إذ في خلال حرب الإلغاء أصيب وجيه مرة جديدة.
عندما اعتقل الدكتور سمير جعجع تعرّض وجيه للملاحقات وتم توقيفه عدّة مرّات وخضع لعمليات التعذيب على رغم إصابته. بعد انتهاء الحرب بقي وجيه لفترة من دون عمل “كان لديّ فكرة عن الخياطة والتصميم فتخصصت في أحد المعاهد وعملت في دور أزياء أهمّها دار إيلي صعب. وهناك التقيت برفيقة دربي فتزوّجنا وأسسنا عائلتنا الصغيرة، وأنجبنا صبيين: وجيه وإليانو”.
انتُخِبَ وجيه رئيساً لمركز معاصر بيت الدين منذ العام 2009 وقد فتح مشغلاً صغيراً للخياطة في منزله بعد أن ترك العمل في دور الأزياء لكن الأوضاع المادية ضيّقة جدّاً واقتصاد البلد متدهور وهذا ما جعل عمله متعثرًا.
يؤكّد وجيه “إذا عادت الحرب سأحمل السلاح مجدّداً على رغم إصاباتي لأنني اليوم مقتنع أكثر من قبل بقضيتنا فلدينا قائد حمل القضية في قلبه ولم يخن الأمانة حتى في أصعب الظروف عندما كان مسجوناً. حاربنا جيوشاً نظامية مدرّبة، لم نخف ولم نستسلم، وانتصرنا على كل الجيوش المحتلة والأعداء، ونحن مستعدون لذلك مجدّداً إن اضطررنا. المقاومة لا تكون فقط في حمل السلاح والقتال بل بعدم الاستسلام لليأس والخوف وكل ظروف الاضطهاد والاعتقال والتعذيب، وهذا ما علمتنا إياه المقاومة اللبنانية”.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.