شهيد النفاق الوطني الحر
في دويلة النفاق، لا قوانين تحمي الأبرياء. في دويلة النفاق، كل شيء مبرر… حتى القتل. ففي هذه الدويلة النموذج لا مكان للمحاسبة، جميع من فيها من صنف الآلهة، معصومون عن الخطأ، سلاحهم مشروع حتى في الغدر، مربعاتهم أمن واستقرار، مليشياتهم "مقاومة" و"زعرانهم" ضحايا للإعتداءات.
في دويلة الرعاع، يبرز سائقوا الدراجات النارية، حماة الهيكل، يقطعون الطرق، يحاصرون المطار، يواجهون عناصر الجيش، يجتاحون الأحياء، يحرقون الأبنية، يسرقون جنى العمر… ثم يأتي من يصف أفعالهم الدنيئة بالأمجاد، ويأتي آخر ليصنفهم بغير الآدميين، من دون أن ننسى مسؤولي دويلة النفاق المتأهبين أبداً لإيجاد التبريرات، وتحوير الحقائق، والإمعان بدفن الرؤوس في الرمال ودفن الكرامات في حفر الذميّة.
بعد وثيقة التفاهم الشهيرة الموقعة في 6 شباط 2006 بين التيار الوطني الحر وحزب الله، بدأ عصر جديد تصح تسميته بعصر "المتخاذلين"، فمنذ ذلك التاريخ لم يصدف أن وَقَعَ قادة التيار الوطني الحر على خطأ واحد ارتكبه حزب الله، فالطيار الشهيد سامر حنا أخطأ بالهبوط فوق تلة سجد، وأهالي بيروت أخطأوا باعتماد خيار "لبنان أولاً"، وأهل الجبل أخطأوا بالإنضمام إلى ثورة الأرز. كاميرات التجسس على المطار، شبكة الهاتف الخاصة، تصفية الزيادين بعد خطفهما، أحداث مار مخايل، قطع طريق المطار، تعطيل الحياة في الوسط التجاري، تعطيل المجلس النيابي، تعطيل الإنتخابات الرئاسية، اجتياح العاصمة، لطفي زين الدين، زينة الميري… كلها أحداث، وجدت من يبررها من أصحاب العقول المأخوذة بأحلام "الرئاسة المسروقة"، وأوهام الزعامة الأحادية، الغارقين في بحر من الأحقاد، التائهين في زواريب المصالح الشخصية.
إلا أن الجريمة المدويّة التي وقعت في عين الرمانة أكبر من أن تبرر، فالشهيد ينتمي إلى التيار الوطني الحر حليف بيئة "المقاومة"، ولم يصدف وجوده في مكان الإشكال كما حاول مهرج التيار شربل خليل التسويق بالأمس، كما أنه لم يكن موجوداً بالقرب من أحد "مراكز مضايقة العابرين" التي ادعى وجودها "ذئب" المجلس النيابي، كما أن التذكير بحادثة مارك حويك المؤسفة من قبل العماد عون ما هي إلا محاولة يائسة وفاشلة لتضليل الرأي العام وتشتيت تفكيره، وكل ذلك حماية للمجرم الحقيقي الذي يقف خلف كل الجرائم التي يتعرض لها الأبرياء.
إن المجرم الحقيقي الذي يقف خلف عمليات القتل والترهيب التي يتعرض لها اللبنانيون هو "النفاق الوطني" المتمادي، هذا النفاق الذي يظلل الجزر الأمنية ويشرعها ويحلل وجودها، هذا النفاق الذي يغطي على الخارجين على القانون ويدفعهم إلى التباهي بإطلاق النار في المناسبات، لتسقط على رؤوس المواطنين وتقتلهم ولا من يسأل ولا من يحاسب، هذا النفاق الذي يدّعي أن ما حصل في بيروت في 7 أيار كان لحماية "المقاومة" وجهاز الإشارة الخاص بها فيما الواقع أنها كانت استخداماً للساحة اللبنانية في صراع التوازنات في المنطقة، هذا النفاق الذي يسمح بتمرير تمثيلية توقيف قاتل الشهيد الطيار سامر حنا ليطلق سراحه بعد عدة أشهر، هذا النفاق الذي يتحدث عن استراتيجيات دفاعية في مواجهة إسرائيل، فيما الحقيقة أنها أقنعة لاستمرار حمل السلاح البغيض تحقيقاً لمصالح فئوية داخلية وخدمة لأحلام الإمبراطوريات الإقليمية، هذا النفاق الذي يتباهى بالتغطية على المجرمين وتحوير الحقائق وتشويه التاريخ وادعاء البطولات الوهمية…
هذا النفاق الذي اودى بحياة العريس جورج فى إحدى لحظات انكشافه المرة، إنكشاف الحقد الذي تختزنه النفوس، إنكشاف المكابرة والفوقية ونشوة الألوهية المزيفة، إنكشاف تداعيات الخروج المشرّع على القانون والتطاول المبرر على المؤسسات والتمادي في احتقار مفاهيم الدولة، إنكشاف نتائج التجييش والغرائزية ومنطق الحمايات والمحميات الذي أدى بشباب هذه البيئة (أو ضحاياها) إلى استسهال القتل، فكان الثمن مرتفعاً، وزُفَّ العريس إلى مثواه الأخير شهيداً "للنفاق" الوطني… الحر.