
منذ أن بزغ فجر التاريخ، والإنسان يُقاوم العبودية لتحسين ظروف عيشه وصولاً إلى حياة أبيّة وكريمة، تُكلّلها، تحفظها وتصونها “الحرية” بمفهومها وأبعادها.
هذه “الحرية” التي سَعت إليها المجتمعات والأفراد على مرّ الأزمنة، لم يكن طريق الوصول إليها معبّداً بالورود والزّهور، إنّما كان مغمّساً بالدّماء حيناً ومرهوناً بكرامة الإنسان أحياناً.
نعم، أتحدّث عن “الحرية”، هذه الكلمة ليست بحروفٍ ملتصقة نقرأها أو كلمة في معجم ندرسها أو ندرّسها، إنما هي أيقونة الحياة البشرية، لا بل فعل إيمانٍ نمارسه ونحفظه برمش العين ودمعها، حتى قيل فيها إنها إرث متوارث من جيل إلى جيل ومن الأزل إلى الأبد.
فالتجارب أثبتت بما لا يقبل الشك أنّه كلما ضاق هامش “الحرية” ازداد التّفلّت وتكاثرت محاولات نشر الفوضى وبرزت التحركات الشعبية المطالِبة بالحقوق، وهذه الحقوق تُجسّدها خير تجسيد كلمة واحدة لا تتسع لها معجمات الكون: “الحرية”.
دول العالم المتحضّر تسعى بالوسائل كلها إلى الحفاظ على حرية الفرد والإنسان وتطمح إلى تحسين هذا الحق المكتسب وتحصينه وتطويره ليكون دائماً ودوماً في خدمة الإنسان الذي يُعدّ قيمةً وجوديةً وفكريةً ثمينة لا يوازيه فيها إلاّ الإنسان.
أما في دول العالم الثالث، فالسعي دائب وجار بشكل مستمر بهدف الوصول إلى”حرية” الفرد والمعتقد والتعبير، وهذا مسار شاق وطويل ويواجه عقبات كثيرة، أولها استمتاع النافذين باستعباد الشعوب والإبقاء عليهم مجموعات متخلفة تجهل حقوقها حتى يسهل على من هم في السلطة التحكم بالآخرين وتالياً تأمين استمرارية سلطتهم وتسلطهم.
بناءً عليه، يظهر لنا أن “الحرية” مفهوم عيش ينحو إلى الأمام بنضال مستمر وثقافة حياة يتمسّك بها من ناضل لأجلها واستحقها، ويسعى إليها فاقدها، لذلك ارتفعت لها النُصب في مدن العالم المهمة ومنها تمثال “الحرية” الشهير في نيويورك، كما نُظِمت فيها أبيات شعر وقصائد مدح لا تُعدّ ولا تُحصى، وهنا يستحضرني ما قاله الشاعر أحمد شوقي حين كتب: “وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرّجة يُدَقّ”.
ولأنها كذلك طرق “جبران” باب “الحمراء” حاملاً فكره الجريء وقلمه المسنون لا بل قلم من رصاص كتب به بحروفٍ من نور وكلمات من ذهب مقالاتٍ خالدة دخلت التاريخ وقَسَماً صار نشيداً ملازماً لكل أحرار لبنان، وجعل “للحرية الحمراء” عنواناً مكتوباً بالأحمر القاني، جاء فيه:
هنا منبت الرجال، هنا طريق المجد والخلود، هنا الحرية والعنفوان، هنا لبنان…