
ماذا يخبئ سمير جعجع عادة عندما يعتصم بالصمت؟ ليس هذا هو السؤال الوحيد الذي يطرح. كثيرون يسألون حتى ماذا يخبئ سمير جعجع عندما يتكلم؟ فهو لا يتصرف وفق حسابات ضيقة ويزين خطواته جيداً ويلتزم سياسة المبادئ ولا يزيح عنها وعلى أساسها يتخذ مواقفه ويحدد خيارات “القوات اللبنانية” منذ بدأ مسيرته الحزبية ومنذ تسلم مهامه القيادية ومنذ أصبح قائداً لـ”القوات” زمن الحرب ورئيساً للحزب بعدها. في أكثر من محطة مفصلية استطاع سمير جعجع مع “القوات اللبنانية” أن يصححوا المسارات ويعدلوا في التوازنات ويخربطوا بعض المعادلات التي لم تكن لتتفق مع استراتيجية “القوات اللبنانية” التي تصب أولاً وأخيراً في مصلحة لبنان الدولة والكيان. وهذا ما يحصل اليوم في موضوع رئاسة الجمهورية.
ظهر يوم السبت 12 كانون الأول الجاري اتصل الدكتور جعجع بالرئيس سعد الحريري. عادة ما يتم الإتصال بالواسطة عبر المساعدين ليصبح مباشراً بين الرجلين. منذ بادر الرئيس سعد الحريري إلى الإتصال بالدكتور جعجع ليبحث معه في موضوع ترشيح النائب سليمان فرنجية طغت التكهنات حول العلاقة بينهما. على رغم أن الدكتور جعجع كان سمع من الحريري كلاماً بهذا المعنى خلال زيارته إلى المملكة العربية السعودية ولقائه مع الملك سلمان ومسؤولين من الصف الأول هناك فإن الأمر لم يتعدَّ مجرد تبادل الأفكار وكان رد الدكتور جعجع واضحاً في الرفض على خلفية الموقع السياسي الذي يمثله فرنجية وعلاقته بالنظام السوري وبـ”حزب الله” الذي يقاتل في سوريا. وعندما تحول هذا الطرح إلى أمر واقع لم يتبدل رد فعل رئيس “القوات”.
كان كثيرون يراهنون على أن الحكيم لن يعارض على أساس أن التسوية المحكي عنها تحظى بدعم دولي وبغطاء من المملكة العربية السعودية وبقبول لدى سوريا و”حزب الله” ولكن كل ذلك لم يبدل من موقف “القوات” شيئاً. قال سمير جعجع كلمته وبقي عليها على رغم الإعلانات المتكررة والمواكبة لعملية الترشيح من مراجع دولية وعربية ليتأكد بعده أن “القوات” هي التي تبدل في المعادلات وليست المعادلات هي التي تبدل في “القوات”.
بعدما كان كثيرون يقولون إن “القوات” لن تعارض صاروا يسألون بعد المعارضة عن الخيارات الأخرى التي يخفيها سمير جعجع: هل سيرضخ بعد وقت للتأثيرات والوساطات؟ هل سيرشح العماد ميشال عون؟ هل سينسحب من اللعبة؟ هل سيخسر الرهان كما حصل بعد اتفاقه مع عون على معارضة انتخاب الرئيس سليمان فرنجية في العام 1988 عندما اختاره رئيس النظام السوري حافظ الأسد مرشحًا وحيداً للرئاسة وعلى انتخاب النائب مخايل الضاهر عندما فرضه الأسد أيضاً مرشحاً وحيداً بديلاً عن فرنجية؟ هل سيذهب إلى السعودية لتوضيح موقفه والمطالبة بتعديل موقف الرئيس الحريري؟ هل سيلتزم الصمت ويترك التسوية تمر؟ هل سيؤمن النصاب لجلسة الإنتخاب حتى ولو كان فرنجية مرشحاً وحيداً وحتى لو كان نواب كتلة “القوات” هم الذين يؤمنون هذا النصاب بحضورهم بحيث يحضرون ولا يقترعون له ويتركون التسوية تمر؟
ولكن ماذا حصل في النتيجة؟ ظهر أن موقف “القوات” لم يكن متسرعاً وأن التسوية صعبة وأن أكثر من طرف يعارضها وأنها لن تمر وإن بقيت مطروحة. وإذا كان البعض يشبه موقف “القوات” من هذا الطرح بما كان ذات ليلتين في العام 1988 فإن البعض الآخر يشبه هذا الأمر بما حصل عندما رفض سمير جعجع الإتفاق الثلاثي في العام 1985. ذلك الميلاد في ذلك العام بينما كان كثيرون يذهبون إلى تمضية أيام الأعياد وكأن الإتفاق قد مرَّ وانتهى الأمر، كان سمير جعجع يرسم خطة إسقاطه متحدياً إرادة رئيس النظام السوري حافظ الأسد الذي كان اعتبر أنه من خلال ذلك الإتفاق تمكن من وضع يده نهائياً على لبنان وأن العالم كله معه أو على الأقل لا يعارضه ولن يفعل شيئاً لمنعه.
يتذكر قريب من النائب وليد جنبلاط تلك المرحلة ويشبهها بما يحصل اليوم. يقول إن جنبلاط في العام 1985 لم يكن مقتنعاً بأن الإتفاق الثلاثي سينجح ويتذكر أنه قال قبل التوقيع عليه مع رئيس حركة “أمل” نبيه بري ورئيس الهيئة التنفيذية في “القوات” يومها إيلي حبيقة أن هذا الإتفاق سيطبق على عهد ابنه تيمور الذي كان لا يزال صغيراً للتدليل على أنه لن يمر وهو كان يتكل على أن يسقط الإتفاق ولكن ليس عن طريقه. وقد حصل ذلك في 15 كانون الثاني من العام 1986 عندما تحركت وحدات “القوات اللبنانية” على الأرض بقيادة الدكتور جعجع لتعيد رسم الخارطة السياسية في الداخل ولتتحدى إرادة رئيس النظام السوري حافظ الأسد ولتثبت أنه عندما يسكت الآخرون تبقى كلمتها هي الأولى بكسر الصمت. القريب من النائب وليد جنبلاط لم يكن ليصدق أن جنبلاط موافق على تسوية انتخاب فرنجية وأنه مشى بها كما مشى بالإتفاق الثلاثي وأنه مدرك أن قطع الطريق عليها سيكون من خلال غيره وتحديداً من “القوات” أولاً ومن العماد عون ثانيًا ومن “حزب الله” ثالثاً. وكان يكفي أن يبدأ الإعتراض من مكان ما.
لم يكن اعتراض “القوات” على شخص فرنجية. دقة الموضوع اقتضت الدقة في التعاطي معه. منذ مدة عملت “القوات” على إعادة الوصل مع تيار “المردة” لتجاوز المراحل الماضية وبناء علاقات أفضل على الأرض إن لم يكن هناك التقاء في المواقف السياسية. على هذا الأساس تم الفصل بين السياسة وبين تهدئة الأرض وكانت هناك لقاءات مستمرة مباشرة من خلال لجان مشتركة أو من خلال وسطاء.
في كتابه “على دروب الشهامة.. من الفياضية حتى واشنطن” يروي اللواء الركن أنطوان بركات أنه كان مكلفاً من الرئيس سليمان فرنجية بتأمين خط اتصال مع إيلي حبيقة بعدما كان أصبح رئيساً للهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية”. يقول بركات: “بقيت بناء على طلب الرئيس فرنجية، على تواصل مع السيد حبيقة، فكنت أرافقه في زياراته إلى الشمال وأجتمع به كل يوم جمعة تقريباً في مركز جهاز الأمن في الكرنتينا، والإثنين بعد عودتي من زغرتا أو إهدن بغية تقوية العلاقات بين “المردة” و”القوات اللبنانية”… في يوم جمعة اجتمعت في الكرنتينا مع السيد الياس حبيقة بعد عودته من دمشق، حيث كان التقى رئيس حركة “أمل” نبيه بري ورئيس الحزب “التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط، فوضعني في أجواء اللقاء وأطلعني على نص الإتفاق الثلاثي لإنهاء الإقتتال الدائر في لبنان وفتح صفحة جديدة. اعتذر مني عن عدم إعطائي نسخة من الإتفاق للرئيس فرنجية، أو كتابة أي مقاطع، إنما قال لي: “بإمكانك قراءة هذا الإتفاق أمامي والإستفسار عن كل ما تريد، ومن ثم نقل مضمونه إلى الرئيس فرنجية”. وهذا ما حصل”.
يتابع بركات الرواية ويقول: “أطلعت فخامته على مضمون الإتفاق فانبرى قائلاً: “قل له أن لا يوقع”. صباح الإثنين اجتمعت بالسيد حبيقة وأعلمته بما قاله الرئيس فرنجية طالباً منه أن لا يوقع الإتفاق، ففوجئ بذلك، وارتأيت عليه أن يعمل بنصيحة الرئيس فرنجية. إلا أنه، وبعد عدة أيام تم التوقيع على الإتفاق من قبل الفرقاء الثلاثة، الأمر الذي أدى إلى قيام جناح الدكتور سمير جعجع في “القوات اللبنانية” بهجوم على مركز قيادة الهيئة التنفيذية لـ”القوات” في الكرنتينا، فتدخل الجيش وأنهى القتال وأخرج من المقر السيد الياس حبيقة وجماعته، ومن ضمنهم صديقه السيد الياس ميشال المر، وتسلم الدكتور سمير جعجع قيادة “القوات اللبنانية.”
سمير جعجع قال أيضاً لإيلي حبيقة أن لا يوقع. موقف الرئيس سليمان فرنجية الذي لم يعلن عنه في السابق كان مطابقاً لموقف سمير جعجع. فرنجية اكتفى بنقل النصيحة أما جعجع فقد أسقط الإتفاق الثلاثي وتحمل عبء القرار على رغم مخاطره الكبيرة والكثيرة.
عندما رشح حافظ الأسد الرئيس سليمان فرنجية في العام 1988 لم يكن فرنجية موافقاً على ترشيحه ولكنه لم يكن يستطيع أن يعلن ذلك. لم يكن مقتنعاً أن الأسد يريده رئيساً بمقدار ما كان يريد تعطيل الإنتخابات. اليوم المسألة تتعدى ترشيح النائب سليمان فرنجية وتتصل أيضاً بموضوع تعطيل الإنتخابات. عندما عارض سمير جعجع ترشيح سليمان الجد كان يعارض قرار حافظ الأسد تماما كما فعل عندما أسقط الإتفاق الثلاثي.
صمت جعجع في معراب ليس خافتاً. هو أقوى وأبلغ من الكلام. فـ”القوات اللبنانية” تدرك اليوم أن المرحلة خطيرة ولكنها ليست ربما بخطورة مرحلة الإتفاق الثلاثي. في الإتصال الهاتفي بينه وبين الرئيس سعد الحريري اتفقا على أن تكون الإتصالات مباشرة عبر الهاتف أو عبر موفدين خاصين للتشاور. قبل ذلك سئل الدكتور جعجع في لقاء خاص عن موقفه من “تيار المستقبل” ومن الرئيس سعد الحريري ومن الإستمرار في 14 آذار ومن استمرار 14 آذار. لم يتردد كثيرًا في الإجابة: لا خيار إلا عبر البقاء في 14 آذار ولا بديل عن 14 آذار لأنها حركة مبادئ ومشروع وليست حركة أشخاص و”القوات اللبنانية” ستبقى في قلب 14 آذار لأنها تحمل هذا المشروع ولا فك ارتباط مع “تيار المستقبل” ومع الرئيس سعد الحريري مهما كانت الإختلافات في وجهات النظر وفي الخيارات. أكثر من ذلك “القوات” مع فتح اللعبة الديمقراطية لأن الإنتخابات الرئاسية لا يمكن أن تبقى أسيرة مواقف أطراف معينة وفيتوات معينة وأسيرة لعبة التعطيل لأن المطلوب تحرير الرئاسة من الإبتزاز وتحرير مجلس النواب من تعطيل النصاب. فالحياة الديمقراطية يجب أن تبدأ من قصر بعبدا. من يصل إلى القصر لا يصادر السلطة وما يحصل في الإنتخابات يجب أن يؤمن الإستمرارية في الحكم عن طريق استمرارية عمل المؤسسات، وبالتالي على الذين يعطلون الإنتخابات أن يتصرفوا على أساس أن اللعبة الديمقراطية مفتوحة وليس على أساس أن تكون عملية إلغائية وانقلابية تتم من خلالها مصادرة السلطة. ولذلك يجب تأسيس نهج جديد في التعاطي السياسي يقوم على الإعتراف بالآخر انطلاقاً من اعتراف هذا الآخر بشروط هذه اللعبة الديمقراطية ومن خضوعه لها وليس باللجوء إلى الإنقلابات العسكرية كما حصل في 7 أيار. ولذلك المطلوب اليوم من أي مرشح أن يعلن موقفه من مشروع الدولة: هل يريد أن يكون رئيسًا للجمهورية ممثلاً لبيئته وناظمًا للعلاقات داخل المؤسسات أم مجرد موظف معيّن في هذا المنصب؟
من ميلاد 1994 حتى ميلاد 2004 11 مرة مر الميلاد على سمير جعجع في سجنه الصغير وهو صامت. بعد 11 عاما انتصر الصمت على السجن.