لم يجد المرشّح للرئاسة سليمان فرنجيّه مخرجاً من مأزق تصنيفه في “8 آذار” و”المشروع السياسي” الذي ينتسب إليه، سوى التركيز على أولويّة الملفّات المعيشيّة والاقتصاديّة في “برنامج” الرئيس العتيد.
وكأنّه يدعو إلى رئيس من خارج المأزق السياسي الوطني الذي يعانيه لبنان، يترك القضايا الاستراتيجيّة للتطوّرات، وينصرف إلى معالجة شؤون المواطن من ماء وكهرباء وطرقات وفرص عمل وهجرة وإنتاج..
هذه مواصفات تنطبق على رئيس غير منغمس في الالتزامات السياسيّة والانتماء إلى “خط استراتيجي” في مواجهة خط آخر على مستوى الإقليم والعالم.
والمفارقة الصعبة في هذا الطرح تكمن في التناقض بين هذا الرئيس “التكنوقراط” وبين حكومة اتحاد وطني أو وفاق وطني اشار إليها كبند من بنود اتفاقه الترشيحي مع الرئيس سعد الحريري.
فالمنطق السياسي السليم يقضي بأن يشبه الرئيس حكومته، الأُولى على الأقلّ، فإذا كان “سياسيّا” يجب أن تكون سياسيّة بمعنى تمثيلها الأحزاب والأطياف، وبمعنى حكومة “توافق وطني” على غرار الحكومة الراهنة أو حكومة الحريري بعد اتفاق الدوحة.
والمنطق نفسه يقضي بأن تكون حكومة تكنوقراط، همّها ومهمّتها معالجة الملفّات غير السياسيّة، منسجمة مع نوعيّة الرئيس الجديد ومن قماشته نفسها. فالسلطات يجب أن تكون متشابهة في المسؤوليّات السياسيّة بين الرئاسات الثلاث.
أمّا القول برئيس صاحب “مشروع سياسي” يضع مشروعه جانباً، ومعه حكومة سياسيّة بامتياز، فيحمل لغم الأزمة في ذاته. لأنّ رئيساً مرتبطاً بأجندا سياسيّة داخليّة وخارجيّة لا يستطيع الوقوف على الحياد عندما تحتدم المواقف والخيارات السياسيّة الحرجة بين مكوّنات الحكومة من أحزاب وطوائف متصادمة.
والحديث عن النيّات الطيّبة والأحلام والتعهّد بعدم الطعن في الظهر والضمانة التي يؤمّنها شخص الرئيس من خلال التزامه الكلمة التي يعطيها، فهو لا يندرج في برنامج عمل أو رؤية واضحة للعهد الرئاسي.
إنّه كلام ينتسب إلى سياسة الأمنيات، بينما المطلوب سياسة واقعيّة تعتمد شجاعة المواجهة للأزمات الوطنيّة المفصليّة، مثل قضيّة السلاح غير الشرعي والتورّط في الحرب السوريّة وتسيّب الحدود وازدواجيّة “الجيش والمقاومة” والتزام القرارات الدوليّة والشرعيّة العربيّة. فإغفال هذه القضايا الجوهريّة يشكّل لغماً ينسف كل جهود الرئيس التكنوقراط وحكومته، ويُبقي لبنان في دوّامة الأزمة.
لا شكّ أنّ شعار “لبنان أوّلاً وأخيراً” يحكّ على مشاعر الاستقلاليّين والسياديّين، ويتمنّون أن يكون التزاماً وليس فقط مجرّد شعار تطميني، لكنّه يناقض في العمق الشعار الآخر: التزام الرئيس ب”مشروعه السياسي”. وهذا ما يفسّر صراعه الشخصي مع ميشال عون على كرسي بعبدا، من ضمن “الخط”!
المشروع السياسي الذي أعلن سليمان فرنجيّه التزامه كمرشّح للرئاسة، وهو بوضوح المشروع الإيراني السوري بامتداده اللبناني عبر “حزب الله”، يناقض فكرة “لبنان أوّلاً وأخيراً”، ولا يسمح بحياديّة رئيس لبنان وانصرافه فقط إلى معالجة مشاكل اللبنانيّين اليوميّة.
ولعلّ قمّة المفارقة تكمن في المعادلة التي أطلقها فرنجيّه: فريق “المقاومة والممانعة” يقوى بقوّة الدولة!
فالجميع يدرك جيّداً أن قوّة هذا الفريق تكمن في ضعف الدولة وتفكّكها. والبرهان الأخير كان على حساب سليمان فرنجيّه نفسه، حين بادر “حزب الله” إلى نسف ترشيحه عبر وسائط أُخرى، مع أنّه من صقور “8 آذار”، بخلفيّة واضحة وثابتة هي أنّ “مشروع حزب الله” لا يريد الآن رئيساً للجمهوريّة ولو كان من صلبه، قبل أن تفرز إيران أوراقها في المنطقة وتُجري حساب الربح والخسارة من الخليج إلى لبنان.
جيّد أنّ المرشّح فرنجيّه سعى إلى تطمين المعترضين عبر رفع بعض شعاراتهم وأهدافهم. لكنّ الوجه الآخر لهذه التطمينات يناقضها. فهؤلاء يريدون موقفاً واضحاً من ضرورة تحييد لبنان وأزمة السلاح، ولا تقتصر همومهم على الملفّات الحياتيّة.
فإذا كانت الأولويّة هي شؤون الناس، فإنّ أيّ رئيس آخر يصلح للأمر، وهناك أسماء كثيرة مخوّلة للنجاح في هذه المهمّة أكثر من المرشّحين السياسيّين بمن فيهم فرنجيه نفسه. ولبنان ليس في حاجة إلى مرشّح سياسي لمعالجة قضاياه الاجتماعيّة والاقتصاديّة. فهذه مهمّة وزارات ووزراء متخصّصين في حكومة من خارج النادي السياسي المباشر.
إنّ أيّ مرشّح سياسي للرئاسة محكوم بالعمل السياسي لحلّ الأزمات الوطنيّة. وإهمال هذه الأزمات يفاقمها، فتضغط على الأزمات المعيشيّة وتعقّدها، تماماً كما يحصل الآن في شلل الحكومة الراهنة.
لا يصحّ طرح تجميد الملفّات الوطنيّة في انتظار الحلول الإقليميّة، وجعل الرئيس بمثابة وزير تكنوقراط. فمهمّته الدستوريّة الأولى هي الوفاء بقسَم الرئاسة في الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته.
الرئاسة منصب سياسي وطني بامتياز، ولا يجوز تغيير هويّتها بحجّة العجز عن حلّ الأزمات العميقة.
وإذا كانت وظيفة الرئيس مقتصرة على الشؤون الحياتيّة مع تغييب الأزمات السياسيّة، فكثيرون يستحقّون كرسي بعبدا عن جدارة، وليس فقط الزعماء.