
ابن الريس دياب القزح، “قواتي” خدم مقاوماً في سلاح المدفعية في “القوات اللبنانية” أبان الحرب ومرافقاً للريس دياب في نضاله على مدى 11 عاماً الى جانب ستريدا سمير جعجع الى ان انكسر القيد وتحرّر لبنان بتحرير رمز الكرامة والسيادة من زنزانة وزارة الدفاع.
وليد دياب القزح لا يروي اليوم مسيرته في “القوات” بل يدمع ويتذكر والداً كان رمزاً للرجولة والجرأة والحكمة في منطقة دير الأحمر، وحجر مدماك في مجموعة يسوع الملك، من الأوفياء الذين مترسوا في بيت سمير جعجع… حتى عودته.
بعد ان انتهت الحرب ودخلت “القوات اللبنانية” في مشروع الدولة سافر وليد الى استراليا بحثاً عن مستقبل افضل، لم يمض شهر حتى عاد، أدرك ان مستقبله لا يمكن ان ينسلخ عن ماضيه في لبنان. إلا أن المؤامرة كانت تنتظر القواتيين، إعتقل الدكتور سمير جعجع ومعه دخل كل الرفاق الى السجن الكبير. وليد ككل الرفاق يقول “شعرنا كأننا مكشوفين متروكين… خسرنا الغطاء والأمان… لكن بعد الجو الذي عشناه معه مع تطويق مقره في غدراس وشعورنا بان خطر الاغتيال يتهدّده كل دقيقة، وصلنا الى قناعة ان الاعتقال مقبول والمهم ألا يقتلوه”.
يغصّ وليد وتحضر صورة والده في الرواية “قبل الاعتقال كان الوالد بدو يطلع يومياً ع غدراس، بعدها صار عنا دوام يومي بيسوع الملك. كل يوم كنت اخاف عليه من الاهانات التي كنا نعانيها على الحواجز الأمنية التي كانت تطوق زوجة الحكيم في بيتها، بتعرفي رجّال كبير، أنا إذا ضربوني كف مش مشكلة بس بيي… بتصير القصة غير”.

كان وليد يتجنب أن يصطحب والده الى هناك لكن إصراره ما كان يقف عند حدود. يكمل وليد الرواية “مرة طلبوه المخابرات عالتحقيق في مركز صربا، قالولو لشو بتطلع ع يسوع الملك؟ قلن: “أنا ما بطلع لأني “قوات” بس سمير جعجع صديقي وأنا بطلع طل ع مرتو إنت بتقبل إنو صديقك يكون بضيقة وتتركو؟ إذا بتقبل أنا ما بقى إطلع. وإذا بدكن حبسوني ما بعود إطلع”. مع أننا كنا نذهب لمواساة ستريدا والوقوف الى جانبها ونحن منهارين فنخرج من بيت الحكيم براحة غريبة. لا أعرف كيف كانت تلك المرأة تنجح كل مرة في إشاعة هذا الجو بيننا وكأن كل الأمور ظابطة مع أنها هي زوجة القائد المعتقل ونحن الذين يجب أن نقويها؟!!! بالطبع ما حدا منا كان يعرف كم كانت نفسها حزينة في الداخل لكن ولا مرة رأيناها مزعوجة، وبدل أن نكون نحن الى جانبها كانت هي الى جانبنا ترفع معنوياتنا”.
العلاقة التي كانت تربط الريس دياب بالحكيم علاقة صداقة قبل أن تكون شراكة في المقاومة. يقول وليد “منطقة الدير ومنطقة بشري بيعتبروا حالن منطقة واحدة. أول ما برز اسم سمير جعجع كنا في قسم “الكتائب” في دير الأحمر ونشعر أن كلمتنا غير مسموعة في الحزب كأبناء الأطراف، وكنا قد تهجرنا من بلدتنا، ووجدنا صعوبة في إيجاد مركز لنا خارج الدير فوجد والدي أن الالتحاق بالحكيم في القطارة هو أفضل الحلول لنا فأصبح دير مار يوحنا مقرنا. وهكذا بنيت العلاقة الوثيقة بين الرجلين على ما أعتقد لأنني كنت صغيراً آنذاك. لكنني أذكر تماماً عندما حاولوا أن يفصلوا الدكتور جعجع من “الكتائب” مورست ضغوط كثيرة على والدي وحاولوا حتى تأليب بعض أبناء الدير عليه. أما هو فلم يكترث لا بل ازداد تعلقه بالحكيم أكثر من تعلقه بنا حتى. عندما دخل الحكيم الى السجن خفت عليه كثيراً، وصار يردّد يومياً “ترى رح شوفو برا الحبس قبل ما موت”؟ صارت قضية الحكيم المعتقل محور حياته وانشغاله اليومي. أذكر عندما بدأت حركة فؤاد مالك والشباب معه لانتزاع الحزب من الحكيم لأنه برأيهم غير قادر على إدارته من السجن بمعنى أنه انتهى، اتصلت ستريدا بوالدي وقالت له إن “الشباب” مجتمعين في بيت جورج كساب في القليعات ويبحثون في آلية إقصاء الحكيم عن قيادة “القوات اللبنانية” وتشكيل مجلس قيادة جديد، يومها لم أكن في المنزل فاتصل بصديق لنا وطلب منه أن يوصله الى القليعات، دق باب البيت ودخل على المجتمعين، فوجئوا به، فوقف أمامهم وقال “ليكو إنتو عم تبحثو تشكلو مجلس قيادة وتنقلبو ع سمير جعجع، في 200 شاب من الدير هلأ بيوصلوا وما بتعملوا اللي براسكن إلا ع جثثنا، وإذا رجال عملوها” وخرج.
كان هو والمرحوم فريد حبيب وجوزف فضول… يتولون دائماً مهمة التواصل مع البطريرك مار نصرالله صفير أطال الله في عمره، مرة كنت أوصله الى بكركي نزل من السيارة وتوجه الى الصرح لملاقاة باقي الوفد، فلحق به أحد عناصر المخابرات الذين يتولون مراقبة زوار البطريرك وسألني “مين هيدا” فقلت له “بيي”. قال “ماذا يريد من البطريرك”؟ فأجبته “عم يطلق هو وامي وجايي يعمل واسطة مع البطرك”!!

عشنا هكذا 11 عاماً كان شغله الشاغل الحكيم وستريدا و”القوات”، أنا كنت مرافقه وسائقه وإذا هربت من تلك المهمة خوفاً عليه من البهدلة والمواجهة مع عناصر الحاجز كان يطلب من غيري أن يقلوه الى بيت الحكيم. ما كان في مهرب. كان خوفنا كبيراً عليه لأن قلبه ضعف وأي انفعال يؤذيه”.
لكن قلب الريس الجريء والوفي خانه في العام 2006 وتوفي إثرعملية قلب مفتوح غير ناجحة وفي أقل من ساعة. قبل أن يدخل المستشفى راح يرجو وليد أن يسأل الطبيب تأجيل العملية لأنه كان قد طلب موعداً من الحكيم. يدمع وليد ويتابع “نزولاً عند رغبته طلبت من الطبيب أن يؤجل العملية لكنه كان يتعرض لنوبات متلاحقة وما كان يمكن أن نؤجل. يومها حمّلني وصية للحكيم لم أتمكن من إيصالها إليه، قال “بتقلو للحكيم ما يفكر دير الأحمر هينة، قلو إنو رح يلاقي الدير أصعب منطقة خليه يستلمها هو، صحيح كلها “قوات” بس مش هينة…” طبعاً كان يعني عملية التنظيم الداخلي داخل الحزب، يومها كانت حرب تموز ولم أتمكن من نقل الوصية للحكيم حتى يوم حضر الى الدير لمشاركتنا في جناز الأربعين. لم أستطع أن أكلمه لشدّة الزحمة حوله. يومها كانت زيارته الأولى للمنطقة وكل أبناء الدير والجوار تهافتوا لملاقاته والتسليم عليه”.

عن الاعتقالات والتحقيق يطول الحديث مع وليد فزياراته ووالده وأخيه الى مقرات المخابرات كانت دورية، حتى شقيقته اليزا اعتقلت في غدراس يوم اعتقل الحكيم مع سائر الذين كانوا في المقر يومها.
ويوم خرج الحكيم من المعتقل كان الريس دياب أول المنتظرين وصوله الى المطار في تلك اللحظة المؤثرة قال له وليد “شفت حبيب قلبك فشيت خلقك هلأ؟ لكنه أجاب بسرعة “بعد بدي طلعو ع الدير”، لكن للأسف لم يزر الحكيم الدير إلا للصلاة عن نفسه. ليكي كيف طلع لفوق وحققلو امنيتو”!! ويبكي…
دياب القزح كان زعيماً في منطقته ولم يسع يوماً للوصول الى أي منصب ولا حتى مختار، ولا أولاده استفادوا من علاقاته يقول وليد “نحنا أول المتضررين من كترة آدميتو ولو ما كان هيك كان رفيق سمير جعجع”؟
قد تكون ذكرى الرجال الرجال مناسبة لتكريمهم وتحية لتضحياتهم، أما ذكرى دياب القزح فتستحق أن تكون قدوة للشباب اليوم وألف ألف تحية.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.