#adsense

الأشوريون المهجَّرون… ميلاد في لبنان وتوق للهجرة غرباً

حجم الخط

فيما استعدَّ المسيحيون حول العالم لاستقبال عيد الميلاد، هناك فئة مشرقية تهجَّرت من قراها، وحُرم أطفالها الشعور بفرح العيد، بعدما تركوا طفولة هي من حقهم بحثاً عن ملاذ أكثر أماناً، فكبروا قبل أوانهم بطريقة لا يُحسدون عليها.هم الأشوريون، هذه الطائفة التي وعلى رغم آلامها ما زالت متسلحة بالأمل الذي يحمله عيد الميلاد، غير راضخة لبطش الإرهابيين مهما بلغت حدته، فهم حافظوا على رمزية شجرة الميلاد التي كانوا مُطلقيها، فزينوا بها بيوتهم الصغيرة تحضيراً لاستقبال طفل المغارة.

للإطلاع على وضعهم عن قرب، قصدت «الجمهورية» مدرسة السان جورج للأشوريين في سد البوشرية، التي استقبلت عدداً كبيراً من الأطفال الأشوريين النازحين. ففي لبنان التفّت هذه الطائفة بعضها على بعض، فحضنت أهلها النازحين دامجةً إيّاهم في مدارسها ومجتمعاتها، مُتقاسمةً معهم مساعدات بالكاد كانت تكفيهم، خصوصاً أنّ لبنان هو الملاذ الآمن لجميع مضطهدي الشرق والبلد الذي يحتضن أكبر تجمّع مسيحي.

بدمعة صادقة تعبّر عن معاناة كبيرة، تقول إحدى الأشوريات السوريات البالغة من العمر 11 سنة: «في عيد الميلاد لا أريد شيئاً إلّا أن يعود السلام لبلدي»، في إجابة تدلّ على طفولة نضجت قبل أوانها، طفولة فرضت عليها استبدال أمنية الحصول على دمية بطلب السلام، فيما يقول طفل آخر: «كل ما أتمناه هو السفر الى اوستراليا، هناك الحياة أفضل ولا أحد يستهزئ بنا، أريد الذهاب الى مكان يعمّ فيه السلام».

يُجمع الأطفال النازحون على أنّ طلبهم في العيد هو عودة سوريا كما كانت، فهم يريدون الرجوع إليها، لأنها بكل بساطة بلدهم، هناك عاشوا طفولتهم، تركوا ذكرياتهم بأبشع الطرق، وشاهدوا كيف اقتحم الارهابيون بيوتهم وهذه الصوَر لا تترك مخيلتهم.

وفي وقت يرغبون في الهجرة الى الغرب، لكنهم لو خُيّروا بينه وبين سوريا لاختاروا الأخيرة، شرط أن يعم الأمان فيها، تبرّر إحدى الأشوريات طلبهم بالقول: «مثلما أنتم اللبنانيون تحبون بلدكم نحن نحبّ بلدنا».

وفي هذا السياق يشير وكيل رئيس الطائفة الأشورية في لبنان يترون كوليانا لـ«الجمهورية»، الى «أننا نسعى لمَحو مرارة الحرب التي عاشها الأطفال النازحون في بلادهم»، موضحاً: «قبل هذه الظروف كنا نُنظّم حفلات للبنانيين الأشوريين باستمرار، ونُضيء على معنى العيد الحقيقي، أمّا اليوم فنسعى لترفيه النازحين الأشوريين خصوصاً أنهم لم يشعروا بذلك في بلدانهم، فمثلاً كانت فرصة الميلاد هناك ليوم واحد أو اثنين أمّا هنا فهي نحو أسبوعين، كما ننظّم لهم احتفالات في كل عيد، وسننظم لهم رحلات وريسيتالات لمناسبة العيد. وتجدر الإشارة الى أنّ التعليم هو مجاني لجميع النازحين».

بدورها، توضِح المنسقة في النظام الذي أسّسته منظمة الرؤية العالمية بالتعاون مع اليونيسيف، لينا بن يمين جندو لـ«الجمهورية» أنّ «هذا النظام أُسّس للأطفال الذين لم يدخلوا المدرسة لسببٍ من الأسباب، وهو يستهدف تحديداً أولئك الذين أتوا من بلدان تدور فيها الحروب، فتنظّم جلسات تعالج نفسية الأطفال لإخراجهم من جو العنف الذي ترسّخ في أذهانهم، وتنمية مواهبهم أكثر والعمل على مخيلتهم»، مشيرةً الى أنّ «العنف لديهم يُترجم في مواقف عدة.

مثلاً، بعض الأطفال يطلبون أسلحة كهدية للميلاد، لأنهم يريدون قتل «داعش»، حسب قولهم. ولدى سؤالهم عن طموحهم يجيبون انّ هدفهم في الحياة هو قتل الإرهابيين لأنهم استولوا على بيوتهم».

وتركّز على أنّ «التمويل غالباً ما يأتي من كنيستنا وهيئة الدعم التي تبقى على تواصل مع رئيس الطائفة الأشورية في لبنان، لكن عدا عن هؤلاء الأطراف لا أحد يلتفت إلينا»، موضحة أنه «بما أنّ دعمنا هو نفسي، تتضح المشاكل النفسية التي يعانيها الأطفال والناتجة عن الأحداث التي شاهدوها في بلادهم، إلّا أنه لا منظمات تقبل بمعالجتهم، بحجة أن التمويل انخفض جداً».

من جهته، يشدد مدير المدرسة مارون ماروكل على أن «الإمكانات قليلة جداً، هناك نحو 100 تلميذ يتعلمون مجاناً، علماً أنّ قسط مدرستنا يبلغ 1200 دولار، لكن لا يسعنا إلّا الاتكال على الجمعيات الخيرية»، كاشفاً أنّ «الأساتذة لاحظوا تعطّش النازحين للعلم، فإذا ظلوا هنا تفوّقوا، إلّا أنهم يتحدثون دائماً عن الهجرة الى بلاد الغرب ويؤكدون أنّ هذا هو هدفهم».

ويؤكد ماروكل أنّ «الطائفة مهمشة، نحن أقليات ولا أحد ينظر إلينا، يسمع التلاميذ دائماً أنّ كل شيء مؤمّن في بلاد الغرب، فبات هذا طموحهم، ولا يمكن لأحد العتب عليهم، فلو سنحت لي الفرصة لذهبت قبلهم من دون التفكير مرتين»، موضحاً أنّ «الأشوريين ظلوا في سوريا 82 عاماً بَنوا خلالها مجتمعاتهم، أما اليوم فكل ما بنوه ذهب سدىً، فما الذي يجذّرهم في أراضيهم؟ هم عبروا كل البلدان من دون أن يستطيعوا الاستقرار في أيٍّ منها وذلك لأسباب قومية ودينية».

ويسأل: «كيف يمكننا الشعور بالعيد ولدينا نحو الـ130 مخطوفاً لدى «داعش» التي تطالب بـ12 مليون دولار للإفراج عنهم. تأمين هذا المبلغ مستحيل، وفي حال تأذوا ستُعتبر مجزرة لدينا فنحن أصلاً أقليّات، إذاً مستقبلنا في هذه البلدان بات صعباً».

قد لا يفهم البعض الحزن الذي يتكلم به هؤلاء إلّا إذا نظروا الى عيونهم، فهي تحمل داخلها آلاماً كثيرة وعتباً أكثر على أنظمة دول لم تحترم كيانهم، هم الذين لم يعتدوا يوماً على أحد، فباتوا أخيراً «كبش محرقة» الحروب.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل