كتبت أوغيت سلامه في “المسيرة” – العدد 1458:
كان من عديد مجموعة Gamma zero للمدفعية. لا يدعّي أعمالاً بطولية لكن كانت له مشاركات في إنجازات كثيرة حققتها “القوات” في سنوات الحرب كما في سنوات الظلم والقمع إما منظماً أو مستشاراً أو فاعلاً على الأرض.
وليد هيدموس من القواتيين الذين فكّروا وخطّطوا ونفّذوا وشاركوا في الخطوات التي وضعت لمقاومة الوصاية السورية وأدواتها وإنهاء زمن الاعتقال.
الزمن تغيّر اليوم بالطبع، إلا أن وليد لم يتغيّر، فهو في الخدمة دائماً وأونلاين “قواتي” 7 على 24!
يبدأ الحديث مع وليد هيدموس بتقليب صفحات الماضي ويروي: “انتميت الى”القوات” منذ ما قبل حرب الجبل، وكنت لا أزال طالباً. شاركت في أول دورة تدريب عام 1983، فأنا من ضيعة العبادية وشاركت صغيراً في حرب الجبل الى أن التحقت بثكنة الأشرفية بعدما سكنت مع أهلي فيها لدى خروجنا من الجبل.

في السنة الجامعية الأولى تعرفت الى الرفيق أنطوان بارد ودخلت معه في مجموعة المدفعية Gamma zero، التي كانت تضمّ طلاباً من الجامعات كافة في المنطقة الشرقية. قبل ذلك شاركت في كل أنواع القتال إلا أنني وجدت نفسي في المدفعية قادراً على خدمة قضيتي بشكل أفضل. وطيلة سنوات الحرب لم أعرف الدكتور سمير جعجع إلا قائداً عسكرياً ولم تسنح لي فرصة التقرّب منه إلا بعد خروجه من السجن”.
يتابع وليد: “لن أتكلم عن نفسي بل عن مجموعة الشباب الذين عملنا معاً طيلة الحرب، وحين أعتقل الحكيم بقينا معاً وحافظنا على لقاءاتنا بشكل غير معلن. وكنا بين العامين 1994 و1996 نشارك في كل التظاهرات المطالبة بحرية الحكيم من العدلية الى حريصا وبكركي وميفوق… بالإضافة الى متابعة جلسات المحاكمات من الخارج بالطبع.
في العام 1996 بدأنا التحضيرات الأولى لانتخابات نقابة المهندسين مع الرفيق الشهيد رمزي عيراني والشباب من خلال التنظيم والمشاركة وإعادة تفعيل صفوف المهندسين “القوات”. بعدها خضنا معركة عضوية مجلس نقابة المهندسين ووصل رفيقنا المهندس عماد واكيم.

واصلنا نضالنا في اطار الانتخابات مع استحقاق الانتخابات البلدية، وخضنا هذه المرة معركة بلدية بيروت لإيصال مرشحنا الوزير جو سركيس. في تلك المرحلة شكل دخولنا الإنتخابات صدمة لكثيرين، وأذكر أننا عانينا من “تشطيب” ناخبي “الجماعة الاسلامية”، فطلب مني جو أن أتوجه الى مكتب الرئيس رفيق الحريري للإنتخابات في بناية البوريفاج، يومها دخلت الى قاعة فسيحة تغصّ بالشباب يجلسون خلف كومبيوترات يعملون على لوائح الشطب، وحين قال المسؤول هناك أمام الجميع “الشاب جايي من قبل “القوات اللبنانية” كرمال الانتخابات..”، أذكر ان الصمت ساد لدقائق وكان الكل ينظر إلي كأنني مخلوق فضائي غريب. ربما كانت المرة الأولى التي يرون فيها قواتياً! كانت صدمة لهم، وأول لقاء لي مع شباب من الطرف الآخر بعد الحرب.
أذكر عندما فاز سركيس بعضوية بلدية بيروت وعند الساعة 5 و15 دقيقة طوّق الجيش مكتب الإنتخابات الذي كنا نعمل فيه ولم يبق أحد لم يعتقلوه يومها إلا الذي هرب قبل أن يباشروا الدهم. من الساعة الرابعة بعد الظهر بدأ تحركهم ربما عندما وصلتهم معلومات عن إمكانية فوز سركيس وحصوله على عدد كبير من الأصوات. كانت محاولة منهم لقمع أي مظاهر احتفال بالفوز يمكن أن يقوم بها الشباب كرد فعل على انتصار “القوات”، وللمرة الأولى في تلك المرحلة العصيبة من القمع والظلم والاعتقال.
أخذنا على عاتقنا نحن مجموعة Gamma zero بالتحديد أن نشكل Task force أو قوة داتا ومكننة لخوض كل معارك “القوات” الانتخابية التي تعيد صوت المقاومة وسط المجتمع اللبناني بعدما كان المطلوب خنق هذا الصوت مع اعتقال الدكتور جعجع. ولا أنسى الانتخابات البلدية الأولى في بشري، وكان السوري فوق، ونفوذ جبران طوق، ومع ذلك رافقنا ستريدا الى بشري ومن بيت الحكيم خضنا المعركة وربحنا. وبحكمتها استطاعت ستريدا أن تقنع الشباب بالهدوء من دون أي مظاهر فرح ونصر واستفزاز كي لا ترتد عليهم المسألة اعتقالات وتنكيل وقمع، وهكذا كان.
لا يمكن أن أقول أننا حققنا أكثر من غيرنا لدعم قضية “اعتقال” القوات اللبنانية وقائدها، لكننا لم نبق في بيوتنا على الأقل و”قدرنا نعمل شي”. وهذا ما دفع ثمنه رفيقنا رمزي عيراني رحمه الله فهو كان واحداً منا وعندما خطفوه واغتالوه حاولوا ان يلصقوا التهمة بواحد منا وركزّوا علينا في التحقيقات وحاولوا أن يضغطوا على الشباب متل جو سركيس وباسكال حداد وبيار كريم… ليقولوا أشياء لم تحصل علّهم يتمكنون من رسم سيناريو “مبكل” يدين أي قواتي أو يثبت أن القضية لم تكن سياسية بل بدوافع شخصية”.

مسيرة وليد مع جو سركيس أكملت لدى دخول “القوات اللبنانية” للمرة الأولى في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى في العام 2005 وتعيين المهندس سركيس وزيراً للسياحة. عندها طلب منه أن يكون مستشاره وتولي مهمة إدارة مكتبه وأمنه ومواكبته فكانت التجربة القواتية الأولى في الحكم يقول وليد، “وكان رد فعل الطرف الآخر تماماً كما في البوريفاج. فبمجرد أن نتصل بوزارة الداخلية لنطلب أي معاملة كانوا يفاجأون بنا! بالنسبة إليهم المطالب كانت مقسومة على 3 فرقاء، فمن أين أتى هؤلاء المسيحيون ليطالبوا بحقوق ومعاملات رسمية وتعيينات…!!؟
كانت تجربة مهمة جداً تواصلنا فيها مع الوزارات كافة، في الوقت الذي لم يكن لدينا أحد فيها. وفي وقت كانت الضغوط علينا بشتى الوسائل لتطويعنا او ضمّنا الى قطيعهم، فأنا عانيت الكثير من محاولات تطويعي في منطقة برمانا حيث كانت لدي مشاريع سكنية أنفذها. ومع أن عملي قانوني مئة في المئة كانوا يرسلون الدرك الى الورشة لعرقلة العمل وأضطر بذلك الى إجراء الاتصالات لنجدتي فيكسبون بذلك تأييدي وموافقتي على نقل قيودنا من العبادية الى المتن الشمالي لاستثمار أصواتنا في الانتخابات النيابية وفي السياسة”.

لدى دخول القواتيين الى وزارة السياحة يضيف وليد “حصل هلع حقيقي في الوزارة واعتقدوا أننا سننتقم من ظلم 11 عاماً لحق بنا. فكان العكس صحيحاً، لم نزحزح أحداً من منصبه ولا لجأنا لأسلوب “النكايات” لننتقم، حاولنا التعامل بتجرّد مع الجميع وهذا ما لم يكن في حسبان موظفي الوزارة أبداً. ولا يمكن إلا أن أذكر دعم كثر من المستشارين والموظفين في باقي الوزارات المطلق لنا أمثال علي خليفة مستشار وزير الصحة آنذاك محمد خليفة الذي برأيي لو كان لنا وزير في وزارة الصحة لما خدمنا الى ذاك الحد. وقد يعود ذلك ربما الى أن طلباتنا لم تكن إلا في حدود المساعدات الإنسانية والاستشفائية التي من الطبيعي أن تقدمها وزارة الصحة فيما طلبات غيرنا كانت على مستويات أخرى! سألني مرة أستاذ علي “يا وليد شو سركن إنتو بيموت المسيحي وما بيجي يوقف ع باب الوزارة تياخد الدوا”؟ وكان سؤاله يستند الى إحصاءات تؤكد أن 90 في المئة من المستفيدين من أدوية السرطان والأمراض المستعصية التي تقدمها الوزارة هم من السنّة والشيعة.
تركنا وزارة السياحة من دون أن تسجّل علينا أية مخالفة. أعرف أن جماعتنا لم يكونوا ممنونين من الموضوع لكننا حرصنا على تمرير كل الأمور التي يمكن أن تمر في الإطار القانوني. فالكل كان ناطرنا ع غلطة، والعيون مفتوحة علينا وعلى آدائنا، ولم يكن ممكناً أن نخطئ. بعض الناس يخلطون بين صلاحيات الوزير وامكانات الساحر!

بعد خروج الدكتور جعجع من المعتقل، شعرنا أن تعب سنوات الحرب وظلم سنوات السجن انتهى، وعُدنا الى العمل المقاوم والسياسي والحزبي معه”.
منذ العام 1983 بدأ وليد هيدموس مشواره مع المقاومة متطوعاً من أجل أن تحيا القضية المسيحية ويحيا لبنان، وها هو بعد 31 عاماً ثابت في الطريق نفسها ومع الرفاق أنفسهم كما يحرص أن يقول، لخدمة القضية ذاتها مع حزب “القوات اللبنانية” الذي بممانعته فقط يبقى ويحيا لبنان.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.