
عندما انضميت الى جهاز الشؤون الاجتماعية في “القوات اللبنانية”، كنت أظن أن المهمة… لنقل أسهل مما توقعت، ولما أصبحت في صلب المكان أدركت أن الحكاية ليست بهذه السهولة. هنا أنت مطاردة من قضايا المواطنين الموجعة، ومطاردة من معراب لمعرفة أين أصبحنا من قضايا الناس، يا للهول، والأهم من كل ذلك بعد أن واجب عليك غالبا أن تنبش الوجع من قعر القلوب لتتوجّع معها، لان اذا لم تفعل ولم تتفاعل يعني أنت تنسف أهداف الجهاز من أساساته.

اذن تورطت أنا الفوضوية بدرجة امتياز، ودخلت الجهاز الذي فاجأني بكل شيء، بالقضايا المطروحة على جدول أعماله، جداول أعماله، وبالجدية في العمل وهنا الكارثة، العمل الكثير الكثير الكثير المتواصل! كان في بالي أن لدي بضعة مشاريع انجزها لأبناء ضيعتي خصوصا، وطبعا بعض المساعدات أقدمها من حين لاخر، وفي قناعاتي أن الجهاز في مكان ما يعمل كما تعمل الدولة اللبنانية، أي تمرير مساعدة بعد أخرى في فترات زمنية جد متباعدة، لم تكن تلك قلّة معرفة مني بالجهاز، انما قلّة ايمان بعمل فريق استنفر كل جهده وخبرته واندفاعه ليُطبِق، هذا هو التعبير، ليُطبق على بعض من حاجات الناس، ولينطلق سهماً نارياً ضمن مؤسسات “القوات اللبنانية”، وليزرع في فترة الاعياد تحديداً غرسات فرح وبسمات متفرقة في أماكن كنا نظن لوهلة أن الفرح مستحيل عليها، ومستحيل أن يخترقها عيد…

كنت تقدمت بعدد من طلبات المساعدة لاشخاص من منطقتي في البقاع الغربي بمساعدة المنسقين طبعاً، وأحببت ان تكون انطلاقتي عبر القيام بنشاط ميلادي في ضيعتي الصغيرة، تقدمت بالطلب وجاء الرد سريعاً من معراب بأن استجابوا لما تقدمت به. رائع. ظننت اني قمت بانجاز استثنائي، اقامة حفل ميلادي للاطفال وتوزيع نحو سبعين هدية عليهم اضافة الى معايدة اهالي الضيعة بزجاجات نبيذ وبطاقة معايدة لكل بيت. وانصرفت سعيدة بما انجزت مهللة ان جهاز الشؤون الاجتماعية خصص لي مبلغاً مالياً معيناً لافعل ما فعلته.

ولكن، وفي يوم عاصف اتصلت بي انجليك تطلب مني مرافقة الجهاز يوم 30 كانون الاول الى سجن روميه لتوزيع الهدايا على عدد من المساجين، بالنسبة الي لم تكن تلك مهمة انسانية للجهاز، بل مهمة صحافية للصحافية في موقع “القوات اللبنانية” الى جانب كونها مراسلة أيضا لمجلة “المسيرة”. تلك كانت أول مشاركة فعلية مع رفاقي في الجهاز، لم أصدق أن جهازاً مماثلاً قد يتمكن يوماً من اختراق مكان مماثل بانسانيته واصراره وعناده على الدخول لتوزيع بعض الامل على نحو 350 سجيناً ومشاركتهم عيد الميلاد، وقد تلقوا بطاقات معايدة من الدكتور سمير جعجع بأسمائهم اضافة الى الملابس، والاهم كانت رفقة الاب مجدي علاوي الذي أقام لهم رتبة الغطاس في السجن. أمضينا هناك نحو سبع ساعات، بالنسبة لي كان سبق صحافي استثنائي نشرت تفاصيله في مقال وريبورتاج، وبالنسبة لرفاقي في الجهاز كان ذلك سبق انساني.

قبل السجن كانت الاعياد تتنقل في مواعيد الجهاز من منطقة الى اخرى، من جزين واحتفالاتها الميلادية، الى معهد بيت شباب حيث لنا رفاق مناضلين أبطال دمغت البطولة أجسادهم بعلامات النضال حتى أخر العمر وحتى اخر العمر لا ننسى ما فعلوه لأجلنا، فكانت معهم وليمة غداء وهدايا ولقاء ووعد لمواعيد جديدة، الى مرجعيون حيث قدمت مساعدات عينية لاكثر من أربعين عائلة لم يشأ الجهاز أن يعبر بهم العيد وهم في الضيق فكانوا اليد المشاركة في رسم معالم عيدهم، اضافة الى النبعة حيث وزعت حصص غذائية على عدد من المسنين والفقراء وما شابه، الى بعبدا حيث كان لأطفال العراق الذين شردهم الارهاب عن أرضهم اكثر من مئتي هدية ورسالة بأن أرض المسيح هي قلب الانسان، الى زغرتا حيث وزعت حصص غذائية على ميتم مؤسسة مار انطون الاجتماعية في كفرفو كما وزعت مساعدات عينية وحصص غذائية على بعض العائلات المحتاجة في المنطقة، ونشاطات مماثلة هناك وهنالك وأنا اراقب…

قبل أن يأفل العيد دعا الدكتور جعجع الرفاق في الجهاز الى وليمة ميلادية، تخلفّت عن الحضور بسبب ارتباطي بالنشاط الذي كنت اقيمه في ضيعتي عين زبده، مر اسبوع وانتهى عام ليأتي آخر واذ بانجيليك ترسل لي خبرا بأن تمت الموافقة على طلبات المساعدة التي كنت تقدمت بها منذ نحو ثلاثة أشهر لعدد من الاشخاص، وحددت لي المبالغ المخصصة لكل منهم. قفزت فرحا وكأن المساعدات تستهدفني شخصيا، وهي كانت كذلك عمليا.

هذا جهاز يصيب مقتلاً في قلب انسانية كل منا، وهذا بالاساس هدفه. أشكر من دفعني لاكون في جهاز الشؤون الاجتماعية في “القوات”، لا أعرف ما اذا كنت سأصمد طويلا في منظومة النحل تلك أنا الفوضوية غير المنتظمة الا بقلمي، لكن حسبكم يا جماعة انكم ناس القلوب المتلهفة للمساعدة، وحسب قلمي أن يرافقكم حتى آخر النبضات…














