#dfp #adsense

لا كيدية بل إستراتجية

حجم الخط

ضربتان أساسيتان أصابتا المسيحيين في لبنان خلال التاريخ الحديث هما اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عام 1982 وحرب الالغاء عام 1990. منذ تلك الحرب المشؤومة معطوفة على ممارسات الاحتلال السوري طوال 15 عاماً والمسيحيون ينزفون ويتخبطون في الحياة السياسية نتيجة انقسامهم العمودي بين رؤيتين استراتيجيتين جعلت الطوائف الأخرى الأساسية المكوّنة للدولة اللبنانية تستغل هذا الانقسام للسيطرة على مقدّرات الدولة ومركز القرار فيها. والثابت ان لبنان الذي أسس المسيحيون كيانه يعاني من تفكّك وأمراض خبيثة بفعل الوهن الذي أصاب مؤسسي كيانه.

تعي “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع هذا الواقع، بل تعتبر نفسها المعنيّة الأساسية بوضع حدّ لهذا التدهور في الوضع اللبناني عموماً والمسيحي خصوصاً، مبتعدة عن التبسيط والخفّة والتسليم السهل، وهي لم تعتد يوماً على الاستسهال والتعجّل. وبعد بحث مضن عن الحلول لوقف هذا التدهور، كان لا بد من الاستخلاص بأن لا حلّ ولا خروج من هذه الحالة العقيمة المستمرة منذ 25 عاماً إلا بـ”وحدة المسيحيين” بما يضمن وجودهم ومستقبلهم، وينصف تراكم تاريخهم العريق، وثوابتهم الكيانيّة.

أولى المحطات الأساسية في العمل على الوحدة كان “إعلان النيّات” بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وجاءت هذه الورقة الأساسية لتتضمن ما يتوافق مع الثوابت “القواتية” بعيدة عن الإنفعال والتسرّع وينعكس ذلك على بنودها التي أكّدت اعتماد المبادئ السيادية في مقاربة المواضيع السياسية والعمل على تعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الاحتكام الى القانون والمؤسسات الشرعية لحلّ أي خلاف وعدم اللجوء إلى السلاح والعنف مهما تكن الهواجس والاحتقانات ودعم الجيش على الصعيدين المعنوي والمادي بصفته المؤسسة الضامنة للسيادة والأمن القومي وغيرها…

ومن يتّهم “القوات” بالكيديّة حيال تأييدها المتنامي للنائب ميشال عون رئيساً كردّ على ترشيح الرئيس سعد الحريري لسليمان فرنجية للرئاسة، فهو مخطئ، لأنها لم تعتمد يوماً سياسة ردة الفعل والكيديّة، بل تعمل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بدءاً من إعلان النيات وصولاً إلى تفاهمات واتفاقات مع عون حول الثوابت الأساسية التي سيعتمدها في حال إنتخابه رئيساً للجمهورية، بل ضمانات تجعله أقرب إلى روح “14 آذار” والعناوين التي حلمت بتحقيقها.

نحن أمام فراغ رئاسي خطير قد ينعكس على المسيحيين إقصاء من السلطة، وعلى الوطن إنهيارا وجودياً. من هنا جاءت خطوة “القوات اللبنانية” بتبني ترشيح عون وفق برنامج رئاسي متفق عليه معه يضع حداً للعبة “الفراغ”. خطوة “القوات اللبنانية” انقاذية أولاً للوضع المسيحي المهترئ من خلال فرض واقع “وحدوي” جديد يرمّم ما تصدّع في الوسط المسيحي طيلة الأعوام الفائتة، ولو كان على حساب وصول رئيسها سمير جعجع إلى الرئاسة. وإنقاذ الوضع المسيحي يعني تدعيم الوضع اللبناني.

آمال كبيرة تُعلّق على التفاهم القواتي-العوني الذي سيعيد الإعتبار إلى الدولة اللبنانية، و”القوات” لن تقبل من الرئيس العتيد، إلا أن يكون مواكباً للوجدان والثوابت التاريخية، وأقلّها:

– أن يكون في لبنان سلاح واحد هو سلاح الجيش اللبناني لا سلاحان وجيشان وقراران واستراتيجيّتان، ولا انفلاش الدويلة على الدولة، وضروة تحرّر رأس الدولة نفسه من الرضوخ للدويلة.

– استعادة التوازن في الدولة فعلياً، بعدما كانت التجارب مريرة في الأعوام الخمسة والعشرين السابقة.

ولمن لم يفهم استراتيجيّة “القوات” الوحدويّة نقول انها لا تراهن على أشخاص بل على رؤية للحكم تقوم على القيم والأهداف والثوابت ومعرفة فنّ العيش المشترك، وليس على كرسي رئاسة، أو ترتيب انتخابي، أو تنظيم التوظيف في الدولة!

“القوات اللبنانية” مستمرة بمبادراتها السياسية في الدفاع عن الوجود الحرّ، مؤمنة بالكرامة والعزّة .. لا تبيع ولا تشتري في تاريخ الوطن وتعب المناضلين بل تنتهج في سياستها القيم والمبادئ  ومصلحة الجماعة مع التطلع الى مستقبل زاهر لأولادنا بهدف التأسيس لمستقبل مشرق لأحفادنا. ..

إقدام رئيس “القوات اللبنانية” على تبني ترشيح ميشال عون للرئاسة خطوة شجاعة سيسجلها التاريخ له بل أنه يحمل واجباً اخلاقياً ايمانياً لا يقل أهمية عن اعتذاره الشهير في قداس الشهداء عام 2008، وهو المعروف بتعاليه وقدرته على محاسبة الذات …

لا يعتقد أحد أنَّ لبنان بإمكانه الإستمرار من دون مسيحييه… وبالطبع لا يمكنه الاستمرار دون مسلميه. ولا يعتقد أحد أنَّ لبنان بإمكانه أن يكون دولة قوية قادرة ماسكة غير ممسوكة إذا كان اي مكون فيه ضعيفاً ومنقسماً على ذاته… قوة المسيحيين في لبنان لا يُراد منها أبداً الإستقواء على الآخرين… قوة المسيحيين في لبنان كما كانت وكما يجب أن تكون هي قوة وسواعد وزنود للمساهمة في بناء دولة قادرة لكل اللبنانيين… وعندما نصرّ على مسيحيين أقوياء إنما نعني قوة لدفع المزيد من ترسيخ وحدة كل اللبنانيين .

لأجل كل ذلك لم تمتهن “القوات” لعبة السلطة بل هاجسها حماية الجمهورية…وآن الأوان للوعي القومي الذي تتمتع به “القوات” أن يتعمم على سلوكيات جميع اللبنانيين … آن الأوان لنقلع عن انقساماتنا للحدّ من هجرة أدمغة المسيحيين، وهذا الحدّ لن يتمّ إلاَّ بإستعادة رئاسة الجمهورية مما سيحفّز المسيحيين على البقاء في أرضهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل