فعلها رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، وأعلن دعمه وحزبه ترشيح خصمه اللدود رئيس تكتل الاصلاح والتغيير العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية اللبنانية. بل ذهب الحكيم ابعد من ذلك، عندما دعا حلفاءه في قوى 14 آذار لدعم هذا الترشيح، مقابل ثمنٍ يريده حليفه الأول، رئيس تيار المستقبل سعد الحريري اليوم اكثر من اي وقت مضى، الا وهو ضمان عودته الى رئاسة الحكومة، ومقابل ثمن ضمني آخر يريده رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الا وهو استمراره في رئاسة المجلس النيابي على قاعدة ذهبية مفادها وصول القادة الأكثر تمثيلاً الى رئاسة المؤسسات الدستورية الثلاث في الدولة، وهي ما تحدّث عنه وزير الخارجية جبران باسيل من دارة بري امس، غامزاً من قناة دعم التيار الوطني الحر لبري في رئاسة المجلس، في حال صوّتت كتلة الأخير لصالح عون لرئاسة الجمهورية؟!
وبعيداً عن تفاصيل الاعلان التاريخي الذي شهدته دارة جعجع في معراب مساء الثلاثاء، فان قراءة اولية لما تلا الاعلان تظهر تنافساً ضمنياً على اتجاهيْن:
الأول: هو السعي لحماية الزعامات الطائفية والنشاط غير المسبوق لتكريس بقاء الطبقة السياسية نفسها متحكّمة بزمام الحكم ومفاصله على قاعدة الخوف المتبادل على مصير الطوائف المتعايشة تحت سقف لبنان، وهو ما يفسّر التقاء اعداء الأمس!
والثاني: هو طموح من يدافع عن لبنان بشراسة بسلاحه ومبادئه لتغيير جذري يستند الى قانون انتخاب عصري يضمن التمثيل الصحيح ويؤمن للمواطن حداً ادنى من الشراكة في الحكم والقدرة على المحاسبة منعاً لاستفحال الفساد وردماً للهوة الكبيرة بين الشعب ونوابه وحاكميه.
وبين الاتجاهين، ترى مصادر النهار ان الكلمة الفصل تبقى محصورة بيْن طرفيْن يمثلان الصراع الدائر في المنطقة، وهما حزب الله وتيار المستقبل، وتتساءل: هل سيتمكّن حزب الله من اقناع الحريري بالسير بقانون انتخاب يؤمن صحة التمثيل وفرص التغيير المطلوبة، ليفتح الحزب بالمقابل باب عودة الحريري الى الحكم؟
وعليه، تجزم المصادر بأن مفاعيل مبادرة جعجع المدوّية لن تتعدى اطار خلط الأوراق وقلب الموازين بمعنى تنشيط الساحة السياسية بحثاً عن الحلول، وتلفت الى انه طالما ان لا اتفاق على اطار لقانون الانتخاب، فان حزب الله لن يسير بأية مبادرة لا تأخذ بعين الاعتبار معيار السلة المتكاملة التي طرحها امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، بمعنى آخر لا تتضمّن اتفاقاً على قانون الانتخاب بدل الاكتفاء بالاشارة اليه من ضمن عناوين عامة يمكن ان تبقى حبراً على ورق كما اثبتت التجارب التاريخية في لبنان!
وفي السياق، ترى مصادر النهار انه، بعيداً عن التكهنات والتحليلات، ثمة مؤشرات يجب التقاطها من هذا التطور الهام، ابرزها:
أولاً، ان اعلان دعم عون لا يعني بالضرورة تعبيد طريقه الى بعبدا بالورود، خصوصاً ان الترشيح ما زال بحاجة الى اصوات كتل وازنة في المجلس النيابي، في طليعتها كتلة رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، وكتلتيْ رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط.
وتذكّر المصادر بأن الحريري هو اول من قال لعون في السابق بأنه مستعد للسير بترشيحه لرئاسة الجمهورية في حال نجح الأخير بالاتفاق مع جعجع، متسائلةً: هل صحيح ان الحريري بعيد عن اجواء الاتفاق الماروني ام ان الهدف الأساس من مبادرته كان المناورة بترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية للضغط ضمناً باتجاه المسار الحالي للأمور، خصوصاً ان كلا الفريقين (عون وجعجع) اكّدا بعيْد الاعلان انهما على تنسيق متواصل مع حلفائهما؟!
ثانياً: ان كان الوزير فرنجية قد اعلن استمراره بالترشح في وجه عون، فأي دور يمكن ان يلعبه حزب الكتائب، الذي تحوّل بدوره الى بيضة القبّان مسيحياً؟! واذا كانت مصادر الحزب رفضت الادلاء بأي موقف، فهل سيحسم الموقف في اجتماع الكتائب اليوم (الأربعاء) ليلاقي الاجماع الثنائي المسيحي في خطوة يراد منها الحفاظ على شعبيته وعدم تحمّل وزر تعطيل اجماع تاريخي وصفه البعض بـ المعجزة بعد سنين من الخصومة الدامية؟! ام انه سيلتزم الصمت ليدلي بموقفه في صندوق الاقتراع في جلسة الانتخاب المنتظرة؟!
ثالثاً: اذا كانت القوّات قد رشّحت الحريري فعلياً لرئاسة الحكومة، وقد اعلنت ذلك رسمياً على لسان رئيس جهاز الاعلام والتواصل ملحم الرياشي امس، فأي موقف سيتخذه الحريري من مبادرة حليفه المسيحي الأول، الذي لم يترك له مبرراً لرفضها؟!
رابعاً: اي موقف سيتخذه حزب الله من معادلة مرور مرشّحه الأقوى في معراب؟ بعد ان مرّ مرشّحه الثاني (فرنجية) من بيت الوسط؟! وهل يعني هذا التطور ارتفاع حظوظ القبول بفرنجية لدى الحزب، على قاعدة ان فرنجية مرشّح المستقبل الذي لم ينقطع الحوار معه يوماً بعكس عون الذي بات مرشّح القوات المرفوضة من قبل الحزب كما يعلم الجميع؟
خامساً: هل يمكن ان تتحول الجلسة الـ 35 لانتخاب الرئيس في 8 فبراير الى عرس ديموقراطي بدورها بعد العرس المسيحي في معراب؟ وهل سيسمح حزب الله بتنافس حليفيه على الرئاسة؟ ام سيقول كلمته الفصل وينهي الصراع بترشيح مفاجئ لشخصية ثالثة خفت الحديث عنها مؤخراً، كقائد الجيش العماد جان قهوجي مثلاً؟!
سادساً وأخيراً: تستخلص المصادر بأنه على الرغم من مفاعيل الخرق الذي احدثه ترشيح جعجع لعون، سواء على مستوى تحريك الملف الرئاسي ام على مستوى تحريك الجمود والمراوحة السياسية بصورة عامة، غير ان تأثيره المضاعف يتركّز على الساحة المسيحية. هناك حيث التفاؤل المسيحي عموماً بالتقاء منتظر منذ عقود، وتحديداً منذ ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر وتساؤلات الشارع المسيحي عن جدوى اتفاق عون مع الحزب في ظل عجزه عن التفاهم مع خصومه في الطائفة نفسها، هذا ما جهة.
أما من جهة ثانية، فترى المصادر ان الرابح الأكبر من الزلزال الذي هزّ الساحة السياسية هو حكيم معراب، الذي ادرك ان حظوظه نحو الرئاسة معدومة في المدى المنظور، فاتجه نحو تدعيم مكانته وزعامته مسيحياً من خلال الظهور بثوب المنقذ والمخلص المستعد للتنازل والتنزه عن طموحاته ومطامعه الشخصية لصالح انقاذ الجمهورية وموقع المسيحيين فيها، ليبقى السؤال الأكبر: ماذا سيربح عون من هذا الترشيح اذا كان لن يحقق حلمه بالتربع على عرش الرئاسة الأولى؟!
أكبر من كل الخلافات
توقع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في تصريح بعد لقائه البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي امس ان يحصل على ردود فعل ايجابية بعد ترشيحه العماد ميشال عون، لأنه لا داعي لردود الفعل السلبية. وأمل جعجع على جميع الكتل النيابية اتخاذ الموقف المطلوب للوصول الى انتخابات رئاسية، لافتاً الى وجود اطار سياسي واضح جدا قوامه النقاط العشر التي طرحت امس، مشدداً على ان رئيس تيار المردة سليمان فرنجية يقف دائما عند كلامه واعتقد ان حظوظ عون للوصول الى الرئاسة اكتملت. ورأى جعجع ان موقف حزب الله واضح بما يتعلق بالرئاسة وهو يقف خلف عون، لافتاً الى ان العلاقة مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري كما كانت دائما وما يجمعنا مع تيار المستقبل اكبر بكثير من كل الخلافات وكل الخطوات السياسية الصغيرة والكبيرة.