#adsense

“مؤتمر معراب”: كفى!

حجم الخط

الدولة الإتحادية، هي الدولة التي تأخذ شكل الهرم، فهي الموحدّة كإطارٍ سياسي من فوق، والمُركبّة كإطارٍ مجتمعي من تحت.

تحالف الثنائي المسيحي يُشبه هذا الهرم وإنما بشكلٍ مقلوب: هو موحدّ من فوق كإطارٍ مجتمعي مسيحي يسعى للمساواة الوطنية والشراكة الحقيقية، ومُركّب من تحت كإطارٍ سياسي وطني يُقارب المسائل الاستراتيجية من زاويتين: 8 و14 آذار.

إذاً فهو يحمل بحدّ ذاته شكلاً موحداً ومركّباً من جهة، وإطاراً مسيحياً ووطنياً، من جهةٍ ثانية. شكل هذا الهرم عرضةٌ للتعديل تبعاً للتطورات المرتبطة بموقف شركاء الوطن في 8 و14 آذار من الاستحقاقات “المسيحية”.

عندما تقترب واحدةٌ من زاويتي الهرم الموزعتين في قاعدته السفلى من الزاوية المُقابِلة، فذلك يستتبعه تقليصٌ للتمايزات الاستراتيجية بين الطرفين، وصولاً ربما الى تموضع سياسي واحد. مما يعني ايضاً وايضاً حسم المعركة الداخلية القائمة في لبنان منذ 7 ايار 2005 مروراً بـ 7 ايار 2008 وحتى اليوم.

تبعاً لذلك على الشركاء في 8 و14 ان يُقررا شكل الهرم الذي سيرسو عليه التفاهم المسيحي في معراب.

اقتراب 14 آذار من هذا التفاهم يؤدي حُكماً الى اقتراب “الزاوية” العونية من تموضع الزاوية القواتية، وبالتالي رجحان ميزان القوى لمصلحة هذا التموضع على حساب التموضع الآخر. والعكس قد يبدو صحيحاً ايضاً.

امّا إذا زرع الشريكان في 8 و14، بالتكافل والتضامن، تجاهلاً لإرادة المسيحيين المُعبر عنها في مؤتمر معراب، فلا بُدّ ان يحصدا عندها اقتراباً لزاويتي الهرم القواتي والعوني من بعضهما البعض، حتى يُصبح شكله سهماً مستقيماً يحمل توجهاً مستقبلياً مستقلاً، ينكفىء عن إطاره الوطني ويكتفي ببُعده المسيحي الطائفي، وصولاً ربما الى تركيب هرمٍ “دولتي” اتحادي/مركّب جديد.

من يزرع تأييداً فعلياً وحقيقياً لمؤتمر معراب، يحصد انتصاراً استراتيجياً بحجم تأييده. امّا من يزرع فيتو او فيتوات بوجه إرادة المسيحيين، فعليه الاّ ينتظر ان يحصد الورود والمّن والسلوى بالمقابل.

ما يطمح اليه “لقاء معراب” هو ان يقتربى 8 و14 معاً من هذا الهرم حتى يُحافظ على قاعدة تنوّعه الوطني، بما يُسهّل للمسيحيين ممارسة دورٍ إيجابي توفيقي متوازن داخل السلطة، بعيداً عن المشاركة السلبية بالفيتوات التعطيلية المتبادلة التي قد يُفرزها شعورهم بالرفض والتهميش والإقصاء.

ليست المسألة قضية تعدادٍ للأصوات: الرئيس اميل لحود كان يملك 128 صوتاً فعلياً لا 70 صوتاً افتراضياً، ومع ذلك لم يكن يمثّل، بنظر غالبية المسيحيين، إرادتهم ومصالحهم داخل النظام، وإنما إرادةً اُخرى. وبالمقابل لم يكن الحكيم والجنرال يملكان مجرّد صوتٍ واحد، ومع ذلك كانا الممثلين الشرعيين للمسيحيين في النظام.

اهمية لقاء معراب انه “اوقف العدّ” وضغط على زناد دينامية استعادة حقوق المسيحيين، فحصل التصويب الأول باتجاه قصر بعبدا، على ان يليه رشقاتٌ أخرى باتجاه مواقع “مسيحية” ثانية تباعاً.

امّا بعد،

فإن بعضهم يرفع شعار السيادة وهو قابضٌ على عنق الشراكة، فيما يرفع آخر شعار الشراكة وهو قابضٌ على عنق السيادة.

يدفع بعضهم من رصيد السيادة حتى يكدّس مزيداً من مواقع “المحاصصة”، ويدفع بعضهم الآخر من رصيد الشراكة حتى يُكدّس مزيداً من انتهاك السيادة.

هكذا تمت “بَخشَشةَ” رئاسة الجمهورية، من جيب العماد عون، بعد مؤتمر الدوحة، كبديلٍ عن 7 ايار؛ وهكذا حول تقاعد العميد شامل روكز ومن جيب العماد عون ايضاً، بديلاً عن حرب في سوريا؛ وهكذا حاول البعض الآخر ان “يُبخشش” الرئاسة “السيّدة”، من جيب الدكتور جعجع، بديلاً عن رئاسة الحكومة.

امّا المسيحيون، فبين “حانا ومانا”، ضاعت سيادتهم وتبخّرت شراكتهم. لقاء معراب رفع بطاقةً حمراء بوجه اللاعبين الذين يُمرّرون كُرات مصالحهم في الملعب المسيحي. في لعبة الكرة، لا بُد من وجود حكم يُشارك بفعاليةٍ في المباراة، خاصةً وأنها تدور فوق ارضه، وإلاّ تحولّت المباراة الى حلبة ثيران. هذا ما لم يعتد عليه اللاعبون منذ العام 1990، عندما قرروا اللعب منفردين، فيما الاحتلال يضع الحَكَم والحُكم على مقاعد المشاهدين.

لقاء معراب، ببنوده العشر، سمّى الحَكَم وانزله الى وسط الملعب وعّدد للاعبين قوانين اللعبة. يبقى لهؤلاء ان يوافقوا على هذه التسمية، وإلاّ فلتتوقف المباراة في الملعب المسيحي و”ليلعب كلواحد امام بيته”.

ماذا ينفع المسيحيون لو تحررت سوريا من نظامها، وتحرر لبنان من سوريا وايران، وخسروا حضورهم السياسي في مؤئلهم المشرقي الوحيد؟ وبالمقابل ماذا ينفعهم لو احتكروا صلاحيات الجمهورية برمتّها وهي مُستلحقة لوصايةٍ غير مباشرة من هنا، او احتلالٍ مباشر من هناك.

مؤتمر معراب، هو خطوةٌ اساسية باتجاه إرساء التوازن: التوازن بين السيادة والمشاركة؛ والتوازن بين ما لك وما عليك.

امّا التوازن بين مبادئ 14 آذار ومبادئ 8 آذار، فهو توازنٌ بين مُطلَقين نقيضين يستحيل تحقيقه إلاّ في سيناريوهات بعض “التوافقيين الوسطيين” الذين يطرحون انفسهم همزة وصل بين مشروع 8 ومشروع 14.

على الرغم من تأثيرات العولمة فإن السيادة تبقى، وحتى إشعارٍ آخر، مفهوماً مُطلقاً لا يمكن ان يتعايش مع مفهومٍ مُطلقٍ آخر هو الإحتلال، والدولة السيّدة هي، حتى إشعارٍ آخر، مفهوماً مُطلقاً، وكذلك الدويلة ضمن الدولة.

“المحاصصة”، من جهتها، هي مفهومٌ نسبي يمكن ان يتعايش مع “المُطلق”. المحاصصة يمكن ان تتعايش مع السيادة، ومع الاحتلال، لكن الاحتلال والسيادة لا يتعايشان سوياً. الدور الوحيد الذي يمكن للتوافقيين لعبه في ظل “المُطلقين”_ مُطلق السيادة ومُطلق الإحتلال- هو اللادور واللاموقف واللاقرار واللاشيء.

مشكلة بعض 14 آذار انه دأب على مقايضة “المطلق”(اي السيادة) بالنسبي(اي المحاصصة)، فيما حزب الله يدفع بـ “النسبي” ليقبض بـ “المطلق”. حصل ذلك في محطاتٍ عدة، بدءاً بالبيانات الوزارية وثلاثياتها الشهيرة (جيش-شعب-مقاومة) مروراً بالسين-سين المُمهّدة لتشكيل حكومة الـ2009، وصولاً الى المقايضة الأخيرة.

امّا مؤتمر معراب، ببنوده العشرة، فهو يتمسّك بالسيادة المُطلقة بيد، وبالمشاركة المطلقة باليد الأخرى. مؤتمر معراب يسعى لتحقيق السيادة في ظل المشاركة، والاستحصال على الحقوق في ظلّ الالتزام بالواجبات. عندما رفضت القوات السير بمشروع “القانون الارثوذكسي”، اقام بعضهم الدنيا ولم يُقعدها، حتى بتنا نشّك ان المشروع كان على وشك الإقرار بالفعل، وأن القوات سدّدت ضربةً للحقوق المسيحية.

اليوم، وبعدما قررت القوات السير بترشيح الجنرال في طريقهما معاً لاسترداد الحقوق المسيحية، سقطت الأقنعة عن وجوهٍ كثيرة وظهرت الى العلن هويّة الذين يحاولون عرقلة هذا المنحى، تماماً مثلما كانوا سيحولون دون إقرار “الإرثوذكسي”، سواء وافقت القوات في حينه ام رفضت.

“مؤتمر معراب” ليس 8 نواب جيّرتهم القوات لعون، وإنما إرادة مسيحية كاملة. إيصال مرشح المسيحيين القوي الى الرئاسة بات، في ظل “مؤتمر معراب” مُطلقاً ميثاقياً، شأنه شأن السيادة. لم يسبق في تاريخ لبنان ان كان لكل طائفةٍ مرشحها الخاص الى رئاسة الجمهورية. لم يسبق ان وصل الإفتئات على موقع المسيحيين الى هذه الدرجة!

في السابق، كانت التكتلات السياسية والوطنية بانتظار ان تُعلن الطائفة الشيعية مرشّحها الفعلي على الملأ، بعدما تبيّن، حتى الآن، وحتى إثبات العكس، ان دعمها اللفظي لعون لم يكن سوى مجرّد مناورةٍ، وبعدما تبيّن ان موقفها تجاه حليفها الآخر فرنجية يشوبه الصمت والتردد والرفض الضمني. لا شك ان مرشح الطائفة الدرزية ينتظر اتجاه الرياح الداخلية والإقليمية حتى يوالي مرشّح هذه الطائفة الكبيرة او تلك.

“مؤتمر معراب” هو “كفى” مدويّة بوجه هذا الاستخفاف وهذا الإفتئات على حقوق المسيحيين.يقف حزب الله اليوم امام مفترق طرق: ليست المفاضلة بين عون وفرنجية هي خيارٌ تكتيكي بين حليفين، ولا هو كالاختيار بين القهوة والنيسكافيه. إنه خيارٌمفصلي بكل ما للكلمة من معنى.

بعدما اصبح لرئاسة الجمهورية مرشحان عن 8 آذار كإطارٍ وطني، انتقل الخيار الى إطاره الطائفي. نحن امام هرمٍ آخر، قمتّه واحدة هي 8 آذار، امّا زاويتاه، فواحدة هي: مرشح 8 آذار المسيحي؛ والثانية مرشح 8 آذار “المسلم”. فإما ان يسير “الحزب”بخيارالمرشح المسلم، او بخيار المرشح المسيحي… او ان يسير بالفراغ حتى تنضج ظروف تسوياته الإقليمية فتخرج “الأرانب” من اكمامها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل