من كولومبيا الى لبنان: قصة ناسك في الزمن المعاصر
ترك داريو اسكوبار عائلته الغنية في كولومبيا وانتقل الى لبنان ليستقر في واد بعيد وجميل في شمال البلاد حيث يعيش منذ تسع سنوات بعيدا عن العالم الخارجي في محبسة احلامه.
ويقول الاب داريو اسكوبار (75 عاما) في محبسته المحفورة في الصخر في مغارة في وادي قاديشا "من يتذوق هذه الحياة، لا يعود يرغب بحياة اخرى".
وتقع المحبسة في دير سيدة حوقا في وادي قاديشا الذي يطلق عليه ايضا اسم "وادي القديسين" بسبب ارتفاع عدد الاديرة والمحابس فيه والعائدة الى مئات السنين. وكان الموارنة الاوائل الذين قدموا الى لبنان من سوريا في القرن الخامس يختبئون في مغاور الوادي هربا من الاضطهاد. وكذلك البطاركة الموارنة الذين لعبوا دورا مهما في تاريخ لبنان.
ويرى الاب داريو ان هذا المكان الذي ادرجته اليونيسكو على لائحة التراث العالمي "هو المكان المثالي للصلاة والعزلة". ولا تصل السيارة الى محبسة حوقا. وهناك اماكن عديدة في الوادي الذي تتجاور فيه الصخور الشاهقة مع الاشجار الخضراء، لا طريق معبدة اليها، بل يفترض سلوك طريق وعرة احيانا لزيارتها.
ويقول داريو بابتسامة وعينين ضاحكتين "هنا، بلغت سلاما داخليا ولن اغادر المكان مقابل اي ثروة مهما كبرت". والواقع ان داريو اسكوبار ذاق طعم الغنى. وهو يقول "كنت صاحب ثروة كبيرة ورثتها عن والدي".
ويتحدر الرجل صاحب اللحية الرمادية والوجه المحفور بالتجاعيد، من ميديين (شمال غرب كولومبيا). ويقول "المال لم يجلب لي السعادة، بل على العكس، كان يتسبب لي بالهموم. فقررت ان اترك كل شيء وان البي نداء الله".
ويروي انه كان يعيش صغيرا في حي راق وفي منزل مريح مع والديه واشقائه وشقيقاته. غير انه يفضل المحبسة التي يقيم فيها اليوم. وينام الناسك او "الحبيس" كما يقول العامة، على فراش رقيق من الاسفنج ويلقي راسه على حجر. وغرفته الصغيرة خالية الا من لوح خشبي صغير يقوم مقام الطاولة وصليب وشمعة ومنبه.
اما صلته بالعالم فتقتصر على بعض الرهبان والكهنة الذين يزورونه، بالاضافة الى عدد من الزوار والحجاج الى الوادي الذي تنتشر فيه المزارات الدينية. ويعيش في الوادي ناسك آخر، غير ان هذا الاخير يرفض منذ سنوات استقبال الناس او الكلام مع احد. وينقل اليه رهبان احد الاديرة المجاورة يوميا طعامه. ويحتاج الراهب اجمالا الى موافقة رسمية من رؤسائه ليعيش في محبسة.
اما اسكوبار فقد دخل الدير في كولومبيا حيث زاول التعليم، وكان يرسل في مهمات الى دول مختلفة، الى ان التقى في احدى رحلاته الى الولايات المتحدة راهبا لبنانيا من الطائفة المارونية، اكبر المذاهب المسيحية في لبنان، حدثه عن لبنان وعن وادي قاديشا وعن حياة النساك الاقدمين.
ويقول اسكوبار "صادف ذلك في مرحلة من حياتي مليئة بالاسئلة والقلق، وسبقه الهام من الله فهمت منه بان علي ان اتخلى عن الحياة العملية وان اتوجه الى الحياة التأملية. وهكذا كان".
وفي لبنان، اضطر الراهب الكاثوليكي الكولومبي الى اعتناق المارونية التي تتبع الديانة الكاثوليكية، ليعطى له بعد ذلك الاذن بان يصبح حبيسا.
ويتقن اسكوبار اللغات القديمة ويتكلم لغات عدة الى جانب لغته الاسبانية الام، بينها الفرنسية والانكليزية والعربية ولو بدرجة اقل. ويقول "ان بعض الزوار الذين يأتون الي يتصورون ان في امكاني ان اقرأ الغيب، فيسالونني مثلا: هل سأجد عريسا؟ هل سأجد عملا؟".
ولا يزال اسكوبار يحتفظ بشغف من حياته السابقة وهو كرة القدم، وان كان توقف عن ممارستها او مشاهدتها. وهو يقسم نهاره على الشكل التالي: 14 ساعة للصلاة، وثلاث لزراعة حديقته، واثنتان لمطالعة كتب روحية، وخمس ساعات للنوم.
في هذا المكان النائي الذي يشهد بردا قارسا في فصل الشتاء احيانا والذي يسوده صمت عميق، يؤكد اسكوبار انه لم يشعر بالملل في يوم من الايام. وتتكدس الكتب عن سير القديسين في مكتبته التي تتدلى فوقها جمجمة يقول عنها انها تساعده على "الاستعداد للموت".