#adsense

سجون وساحات ــ ريتا ملاط: هكذا حضّرنا للقاء البابا… ورحلة معاناة أنطوانيت شاهين

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامه في “المسيرة” – العدد 1463 

الجزء الثاني والأخير

إيمانها بعدالة السماء وكرم السماء ورحمة السماء… جعل منها مُقاومِة بلا حدود، بلا روادع وبلا حساب. الشابة المتدرّجة التي كانت، تؤكد أن قلبها الصغير كبُر وهي تحاول أن تساعد قلوباً تتألم من الظلم والاضطهاد والتشفّي والحقد والتجويع… وكل المرادفات التي تصبّ في هذه الخانة من المعاني التي سادت طيلة 11 عاماً ونيّف من القهر والاعتقال. اليوم، المحامية والمقاومة والأم ريتا ملاط العلم تكمل في تصفّح ملفات تلك الأيام التي لا يمكن لمرور الزمن أن يُسقطها.

تتابع الأستاذة ريتا في الملف الحقوقي لنضالها، “لم أكن موكلة عن أنطوانيت شاهين بل توكلت عن جهاد أبي رميا المتهم في الدعوى نفسها”. لكن مشوارها معها بدأ من “شربة ماء”، عندما طلبت أنطوانيت في جلسة الاستماع الأولى أن تشرب، وقال لها القاضي “من وين بدي جبلك مي”؟ فتطوعت فوراً الأستاذة أن تنزل وتشتري لها زجاجة ماء تروي عطشها للماء كما للعدالة. من ذاك اليوم بدأت الأستاذة ريتا تهتم بأنطوانيت وتزورها، حتى طلبت منها السيدة ستريدا جعجع أن تواظب على زيارتها لأن أنطوانيت ترتاح لها.

قبل أن يلفظ الحكم بقضية جهاد وأنطوانيت بتهمة قتل الأب سمعان الخوري في دير في عجلتون تضيف الأستاذة ريتا “كنا قد علمنا بالنتيجة سلفاً وأنهما سيحكمان، ففضلت ألا أحضر الجلسة لأنني علمت أنهما سيغيبان عن الوعي وسيكون المشهد أليماً، وأنا لم يكن باستطاعتي أن أتحمّل ذلك. ومجرد غيابي كان دليلاً لهما أن الحكم ليس لمصلحتهما وأنني على علم مسبق به، وعلمي لم يكن سوى استنتاج لمسار القضية، فساعة كان يختفي المسدس الذي نفذّت به الجريمة، وساعة تختفي الرصاصات، وساعة أرسلوا الأدلة الى سوريا للكشف عليها، كأننا في لبنان لا نملك مختبرات جنائية لفحص الأدلة!!! كل شيء كان يدلّ أن هناك عملية تركيب سيناريو جريمة. غير أن أحد القضاة قال لي: “بسيطة موكلك ما رح ياخد غير 10 سنين! يعني شكري ربك مش إعدام، وهالقد فينا نعمل بهيدي الظروف”.

هذه القضية سرقت النوم والطمأنينة من ريتا التي إعتبرت أنها مسؤولة عن إثبات براءتهما بالطبع بمشاركة الأستاذ بدوي أبو ديب وكيل أنطوانيت، الصبية التي حكمت بالإعدام زوراً. ولكن معطيات كثيرة استجدت غيّرت مسار الدعوى. من تراجع شهود عن إفاداتهم الى اعتراف شهود جدد بما تعرّض له المتهمون من تعذيب الى موقف الرهبانية الأنطونية. كل ذلك أدى الى إعلان براءة أنطوانيت.

كثر من الشباب كان لهم المحامون الذين يتابعون قضاياهم، لكن ريتا كانت من بين المحامين والرفاق الذين تولوا مهمة متابعة عائلاتهم، والأمور اللوجستية والغرامات…

لم تغب عن أي من جلسات محاكمة الحكيم وكانت تصلّي له عند الخامسة والنصف من بعد ظهر كل يوم في كنيسة قلب يسوع قرب وزارة الدفاع. وكانت تعتبر أن هذا الوقت مخصّص للقاء بالدكتور جعجع ولو بالصلاة.

زيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني كانت من أبرز المحطات التي طبعت نضال الأستاذة ريتا. كان المطلوب منها الربط بين كل الناشطين في منطقة فرن الشباك وعين الرمانة وبعبدا “ويفترض أن أوصل الأعلام والعصي الخاصة بها واليافطات والمناشير الى المكان المحدد. لماذا أنا؟ مع أن الشباب كانوا ناشطين جداً لكن لا يمكن أن يكونوا في الواجهة لأنهم مراقبون. أخذنا أولاد الرفيق وليد خوري بالـ poussette ووضعنا فيها المناشير والأعلام ووصلنا الى الشفروليه. كان مبنى “مدينة المفروشات” قيد الإنشاء وكذلك كان هناك بناء جديد في “جامعة الحكمة” فوضعنا عصي الأعلام بين كومات الرمل والأعلام خبأناها تحت حجار “الباطون”، كل ذلك ونحن نمشي في أسواق فرن الشباك من الثانية بعد منتصف الليل وحتى الرابعة والنصف صباحاً. ثم ذهبنا لنرتاح في بيت أحد الرفاق. وافانا والدي الى هناك وأخبرنا أن الطريق من فرن الشباك الى بعبدا مزروعة بالمواقع الأمنية وحدّدها لنا كي نتجنبها عند انتشارنا في الصباح لملاقاة البابا يوحنا بولس الثاني. وعندما مرّ من أمامنا كسرنا كل القيود يومها ورفعنا صور الحكيم وأعلام “القوات”. تجمّعنا وتوجهنا الى الزوق لملاقاة الرفاق في التجمع أمام كنيسة سيدة النجاة، فأبلغنا الشباب أن التجمّع ضخم هناك ويفضلون أن نوافي البابا الى حريصا.

كانت أوامر الجيش ألا يدخل الى المكان إلا العلم اللبناني وعلم الفاتيكان، لكن على مين؟ وضعنا بين يافطات الفاتيكان أعلام “القوات” وألصقناها بالعلكة لأننا لم نجد مواداً لاصقة، ودخلنا بها الى الساحة وبقينا حتى خرج البابا فنزعنا اليافطات الفاتيكانية وظهرت أعلام “القوات” ويافطات كتبنا عليها بالإيطالية “حرية سمير جعجع”. يومها إتهمت أجهزة المخابرات الكهنة بتهريب الأعلام لكن عملياً لم يساعدنا أحد. وفيما الكل كانوا يهتفون John Paul 2 we love you  ك كنا نحن ننادي “سمير جعجع براءة”، فتلك كانت قضيتنا.

رمزي عيراني عنوان كبير في مشوار الأستاذة ريتا تقول عندما تذكره “رمزي رفيق، رمزي أخ وصديق، الدبلوماسي البطل الذي يحلّ كل المشاكل، فاذا احتجنا هدايا قبل حفلة عيد الميلاد للأطفال مجرّد ما نخبره كان قادراً أن يؤمنها لنا في اليوم التالي، إذا إحتجنا مساعدات لعائلات المعتقلين كان حاضراً دائماً لتلبية الطلب…” رمزي كان المنقذ في كل الأماكن والظروف بالنسبة لريتا التي كانت لا تفارقه أيضاً في انتخابات نقابة المهندسين ومن ثم في مصلحة الطلاب.

وتضيف: “عندما خطفوا رمزي أرادوا أن يعتبروا أن الموضوع شخصي ربما وليس سياسياً. اتصلت بجهاد سليمان في لندن وكان رفيقاً لم أكن أعرفه إلا من خلال التلفون. جهاد سليمان كان يتلقى مني تقارير حقوق الإنسان ليوصلها الى المنظمة الدولية Amnesti التي تهتم بالمساجين ويسلمها لـ عبد السلام أحمد وأورديسه حمد ولم يكن أحد يعرف من أين يحصل جهاد على تقاريره. لذا أبلغت المنظمة بأن سيناريو شبيهاً لسيناريو كنيسة سيدة النجاة ينفّذ اليوم في قضية اختفاء رمزي”.

وعندما اعتقلوا رفاق رمزي في مصلحة الطلاب في محاولة لإلصاق الجريمة بهم لم أرضَ بأن يدفن رمزي قبل أن يطلق سراحهم، وتوجهنا الى بكركي ليلاً لإبلاغ البطريرك صفير بذلك، فاتصل برئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود الذي وعده بإطلاق سراحهم فوراً وهكذا حصل، من أمام قصر العدل ذهبنا معاً لنودع الشهيد رمزي. إلا أنهم أعادوا توقيفهم بعد 3 أيام”!!

تعود ريتا الى حفلات الأطفال لمناسبة عيد الميلاد كل سنة لتتذكر كيف كان إضطهاد الأجهزة يلاحق المنظمين من موقع الى آخر لمنعهم من إقامتها ويتصلون بأصحاب الأمكنة المحجوزة لإلغاء الحجز. من نادي الكهربا الى نادي غزير ومسرح لاسيتيه في جونيه وغيرها فكان الشباب يضطرون للبحث في آخر لحظة عن موقع جديد لا يخطر ببال الأجهزة لتهديد أصحابه وتفشيل الحفل كما فعلوا مع أنطوان شويري ليمنعونا من الإحتفال في نادي غزير. لذا تتذكر ريتا “قصدت سيادة المطران غي نجيم وطلبت منه مكاناً في كسروان نقيم فيه الحفل فأرسلني قبل ليلة من الموعد الى أحد الأديرة في زوق مكايل وبعدما إتفقت مع المسؤولة لم أعلم أحداً بالأمر كي لا يبدلوا رأيها! في اليوم التالي تركنا الباصات التي تقلّ الأطفال وأهاليهم تصل الى الموقع القديم الذي أقفل في وجهنا، وفي الوقت عينه كان الشباب من رفاقنا بانتظارهم لإرشادهم الى المقرّ الجديد. أما ليلاً فكان هناك عدد من الشباب يتولون مهمة تجهيز الموقع بالكراسي والمسرح وأجهزة الصوت والإضاءة… كي يكون جاهزاً لاستقبال مسرحيات الأطفال.

في إحدى الليالي التي كنا نلف فيها هدايا الأطفال إتصلت بي ستريدا وقالت “ضروري تلغوا الحفلة وطلعي لعندي هلأ”، كانت الحادية عشرة والنصف قبل منتصف الليل. عندما أقفلت معها علم الرفاق أن الأمر لا يطمئن من خلال تعابير وجهي، سألني رمزي “شو في ريتا”؟ فقلت له ما أبلغتني به ستريدا. ومعاً إنطلقنا للقائها في يسوع الملك، لا أنسى تلك الليلة جلسنا في غرفة الجلوس الصغيرة وأبلغتنا أن الأجهزة قد حذّرتها من أننا إذا أقمنا الحفل في اليوم التالي سيوقفوننا، فقلت لها: “بس يا ستريدا كل مرة عم نعمل الحفلة ويوقفوا الشباب رمزي وميلاد والكل، ويرجعوا يتركون” فردت: “بس أنا ما رح فيي إرعى الحفل ولا عمو فريد”، فتدخل رمزي وقال: “خلينا نلاقي إخراج روقوا”. عندها قلت لـ ستريدا أننا سنكمل الحفل وأننا سبق وطلبنا من العم فريد أن يشاركنا ووافق. فقالت ستريدا: “إذا حكيتوه ووافق فليكن”. وهكذا في اليوم التالي أقمنا الحفل وشاركنا العم فريد فيه. ولدى إنتهائه أوقفوا رمزي وميلاد عساف وحققوا معهما، وعندما خرجا أبلغاني أنهما لم يذكرا إسمي كالعادة”.

“ظمتت” ريتا ككل مرة من التوقيف والاستجواب لدى مكاتب المخابرات، باستثناء مرة واحدة، حيث إستدعيت من قبل مخابرات بيروت إثر إنفجار في منطقة الدورة، تروي ريتا: “يومها كان السيناريو يفيد بأنني من خلال عملي مع أوكسيليا قد تلقيت 100 ألف دولار من شخص من آل النداف لتنفيذ هذه العملية. يومها أرسلوا بطلبي للتحقيق لدى مخابرات بيروت كما طلبوا غيري الى مخابرات جبل لبنان واستدعوا الدكتور إيلي شويفاتي الى وزارة الدفاع. فوراً إتصلت بالنقيب أنطوان قليموس وكان يومها نقيب المحامين وأخبرته عن الاستدعاء وأنني يجب أن أمثل أمام المحقق عند السابعة مساء، فطلب مني أن انتظر تعليماته. بعد قليل اتصل بي وقال: “بتنزلي ما في مشكلة، بس سؤال وجواب وبتفلي. خدي حدا معك إذا تأخرتي أكتر من نص ساعة بيدقولي”. بالطبع ما بقي حدا من رفقاتي المحامين ما نزل معي عدا عن أهلي. كان التحقيق هادئاً قلت للمحقق خلاله رداً على تهمة الـ100 ألف دولار، بإمكانك أن ترفع السرية المصرفية عني لتعرف أن لا حساب مصرفياً باسمي، وأنني أعمل متدرجة في مكتب المحاماة من دون راتب وأن أهلي يمدونني بالمصروف، وحتى جينزي مخزوق وما معي اشتري غيرو! أما نحن المحامين فأقصى ما نفعله لأوكسيليا أننا نتبرع بمبلغ 5 آلاف ليرة، وهكذا نصبح من ضمن الجمعية العمومية للجمعية لذا يحق لنا أن ننتخب. فقال: “يعني الشويفاتي ما عندو علاقة مع النداف؟ بس انت كنت الرابط بين أوكسيليا وستريدا”؟ فأجبت: “لا أعرفها ولم ألتقِ بها. نحنا قطاع المحامين في أوكسيليا 6 أو 7 زملاء مش أكتر منساعدن كل سنة بحفلة العشا تيجمعوا تبرعات مش أكثر”. بالطبع كانت الحقيقة في مكان آخر والمحقق كان يعرف ذلك أعتقد، وربما هي واسطة النقيب التي انقذتني أو أنهم لم يكن قصدهم إلا ترويعي قليلاً للجم نشاطي وليقولوا لي أنني تحت المراقبة.

ريتا التي لم تخف يوماً من تداعيات نشاطها “القواتي” يوم كان الانتماء الى “القوات” جريمة يعاقب عليها القانون تكمل اليوم مع عودة الحق لأصحابه وخروج الدكتور سمير جعجع والرفاق من السجون، تكمل نشاطها في “رابطة أبناء مريم” التي كان العمل فيها بالتعاون مع ايفون الهاشم وسايد العلم وطوني وربيع نصرالله وكثر من شباب قرطبون وغيرها من المناطق لكن مع تبدل استراتيجي. فمن جمع المواد الغذائية أمام السوبرماركات لتوزيعها على العائلات المحتاجة أي إعطائهم “السمكة” ثم الانتقال الى تقديم الصنارة لصيد السمكة وباتت الجمعية تؤمن أعمالاً صغيرة لتلك العائلات تساعدها على تحصيل لقمة العيش بكرامة.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل