#adsense

المسار “الارتقائي” في الوعي المسيحي بالشريك المسلم وبالكيان

حجم الخط

من "الجبهة اللبنانية" إلى الطائف و"النداء الأول".. إلى "القرنة" فـ14 آذار ومقرّرات المجمع البطريركي
المسار "الارتقائي" في الوعي المسيحي بالشريك المسلم وبالكيان

من "الجبهة اللبنانية" في السبعينات حتى مطلع الثمانينات، إلى إتفاق الطائف مطلع التسعينات، إلى "النداء الأول" لمجلس المطارنة الموارنة في العام 2000، إلى "لقاء قرنة شهوان" بين 2001 و2005، إلى 14 آذار 2005 فمقرّرات المجمع البطريركي عام 2006.. مروراً بالسينودس لأجل لبنان وحتى اليوم، ثمّة مسارٌ تصاعدي "إرتقائي" ـ إذا جاز التعبير ـ في الوعي السياسي المسيحي في لبنان، أو في وعي "المسيحية السياسية".

الوعي المتطوّر من تجربة إلى أخرى

ليس المقصود القول إن "التجارب" المسيحية ـ المارونية تحديداً ـ لم تكن موجودة قبل السبعينات من القرن الماضي، ولا أنها تُختصر منذ السبعينات بما تمّ إستعراضه. وليس الهدف تقويم كل تجربة من التجارب التي جرى ذكرها. إن القصد ـ والهدف ـ هو القول إن الوعي السياسي المسيحي بالكيان وبـ"الشريك الآخر" كان يتقدّم من تجربة إلى أخرى. وذلك ليس فقط بـ"مواكبة" من الكنيسة المارونية، بل بدور مركزي منها، بحيث إستطاعت الكنيسة في العام 2006 أن تخاطب المسيحيين ـ والموارنة منهم أساساً ـ بالقول إن "الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة"، قالبةً رأساً على عقب وعياً معيناً أو فهماً معيناً لميثاق 1943.

بالتأسيس على ما تقّدم، أي بالتأسيس على "القصد" المنوّه عنه آنفاً من القراءة في التجارب، يصبحُ ممكناً التوقف عند معالم التراكم في الوعي السياسي المسيحي ودلالاتها، من دون تقصّد إجراء تقويم بذاته لكل محطّة في ذاتها.. في ظروفها في حينها.

"الجبهة اللبنانية" و"القطع"

"الجبهة اللبنانية" كانت تجربة "القطع" مع الشريك الآخر. وكان يسيّرها وهمُ "تحالف الأقليات" في المنطقة. ولو لم يكن هذا التوجه مصرّحاً عنه رسمياً، فقد طبع أداء "الجبهة" في مراحله المختلفة.
بعد ذلك، شكّلت موافقة الكنيسة والفاعليات المسيحية الرئيسية على إتفاق الطائف خريف 1989، إعترافاً بإنتهاء "مرحلة الإمتيازات" من جهة وموافقةً على بناء النظام السياسي على أساس "الشراكة" من جهة أخرى. غير أن هذين الإعتراف والموافقة كانا في حينهما أقرب إلى موقف منطلق من حساب موازين القوى السياسية ومن محاولة لـ"الحدّ من الخسائر".. قبل أن يغدو إتفاق الطائف تباعاً في السنوات اللاحقة واحداً رئيسياً من "الثوابت المسيحية".

"القرنة" و"الوصل" مع الشريك المسلم

بيدَ أن "لقاء قرنة شهوان" الذي تأسّس في "مناخ" النداء الأول الصادر عن بكركي وبرعاية مباشرة من الكنيسة، شكّل أول نقلة نوعية في الوعي والعمل السياسيَين المسيحيَين بعد الحرب الأهلية وبعد الطائف. فلم يكن "لقاء القرنة" تجميعاً لأحزاب وتيارات وشخصيات مسيحية تحت عباءة البطريركية. كان عملاً تأسيسياً بكل معنى الكلمة لـ"الجناح المسيحي" للحركة الاستقلالية "الآتية". كان القيّمون على "فكر" اللقاء و"فكرته" ومعهم الكنيسة يدركون مسبقاً أن الإستقلال مستحيل من دون شراكة مسيحية ـ إسلامية وأن الكيان مسؤولية مسيحية ـ إسلامية مشتركة.. وأن عليهم "فتح" معركة الاستقلال لكن إستكمالها مستحيلٌ بلا الشريك المسلم. وبهذا المعنى، إنطلقت "القرنة" من وعي أهمية الشريك الآخر وفتحت معه ـ أي مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومع وليد جنبلاط ـ قنوات إتصال وتفاهم.

14 آذار: الشراكة في الميدان

.. إلى أن كانت إنتفاضة الإستقلال في 14 آذار 2005، في إثر جريمة إغتيال الرئيس الحريري، ضدّ الوصاية السورية ونظامها الأمني. شارك المسيحيون، تيّارات حزبية ورأياً عاماً واسعاً في انتفاضة "الثأر" لدماء الزعيم المسلم بإخراج الوصاية السورية، بوعي لحقيقة أن معطى الإستقلال يتحقّق بالشراكة مع المسلمين. كان 14 آذار 2005 تاريخ الشراكة والتواصل والإختلاط في الميدان.. كان ترجمةً لما كان يتراكم ـ مسيحياً وإسلامياً ـ من وعي منذ إتفاق الطائف، خصوصاً في السنوات الأخيرة بعد "مفصل" العام 2000.

منذ 14 آذار 2005 وإلى اليوم، صار هناك "مسيحيو 14 آذار"، وصار هناك "مسيحيّو 8 آذار". قبل هذا التاريخ، كان هناك "مسيحيّو بكركي" و"مسيحيّو سوريا". وبمعنى من المعاني، فإن "التقسيم" هو نفسه قبل وبعد. مسيحيّو 14آذار هم مسيحيّو بكركي بالفعل، ومسيحيّو 8 آذار هم مسيحيّو سوريا.. وإيران. مع فارق أن مسيحيي 14 آذار ـ بكركي عدّلوا تباعاً وتراكمياً موازين القوى لصالحهم.

مسيحيّو 14 آذار مسيحيّو الكنيسة

ومسيحيّو 14 آذار هم بالفعل مسيحيّو بكركي. ذلك أن مقررات المجمع البطريركي عام 2006 أكدت على الشراكة المسيحية ـ الإسلامية، ونسّبت "الإستقلال الثاني" إلى تلك الشراكة، وأعادت الثقة بإتفاق الطائف رافضةً الثنائيات والثلاثيات الطائفية، وشدّدت على أن ليس في لبنان قضية مسيحية "خاصة" بل قضية لبنانية "عامة".. وكانت ـ المقررات ـ سبّاقة في الدعوة إلى قيام "الدولة المدنية". أي أن الكنيسة ترى التطوّر "صعوداً" من ضمن الطائف نحو "الدولة المدنية" وترفضُ "الانتكاس" من الطائف إلى أي صيغة أخرى.

إن ملاحظة "التصاعد الإرتقائي" في الوعي المسيحي مجسّداً في مسيحيي 14 آذار، هي للتشديد على حقيقة أن هؤلاء المسيحيين بالتحديد يرفضون بإصرار الإرتداد إلى ما دون ما راكموه لا بإتجاه الإستتباع ولا بإتجاه "تحالف أقليات" إقليمي متجدّد ولا بإتجاه ثنائيات تضخّ "وهم الحقوق". إن هؤلاء المسيحيين يركّزون على أولوية إستكمال الإستقلال وقيام دولة الإستقلال وتطبيق الطائف وصولاً إلى الدولة المدنية.. فتصل الى المسيحيين وكل اللبنانيين حقوقهم.

إجتماع معراب: الحكومة "تفصيل" أمام الشراكة

على هذه الأسس جميعاً، ولأن المعركة لا تزال طويلةً وقاسيةً، ولأن المسيحيين راسخون في قناعتهم بالشراكة فهماً حقيقياً منهم للكيان، ولأن الإنجاز الأهم والأكبر المتحقّق في خضمّ المعركة الطويلة هو "الوصل" المسيحي ـ الإسلامي، فإن التمسّك المسيحي الـ14 آذاري بالشراكة وبالشريك المسلم غيرُ قابل لـ"المراجعة".

في هذا "المناخ" رعى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع إجتماعاً مسيحياً 14 آذارياً تشاورياً في معراب مساء الإثنين الفائت. الموضوع الحكومي في هذا الإجتماع كان "أقل من تفصيل". ذلك أن الغاية منه كانت "إستراتيجية" بالفعل: وحدة مسيحيي الإستقلال، والتضامن مع الشريك المسلم، مع سعد الحريري بالتحديد، في سياق "نضالي" مديد.
وعلى قاعدة أن الشيء بالشيء يُذكر، ففي مقابل "الصعود" إلى قمّة الوعي، ثمّة من "يصعد".. إلى أسفل الوعي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل