#adsense

وطن يستحق التفاؤل !

حجم الخط

وطن يستحق التفاؤل !

إذا كان كلام الجنرال ميشال عون أول من أمس، مجرد رفع لـ"الكارت الأصفر" في وجه "فاولات" التفاؤل المتزايدة على "ملعب" التشكيل الحكومي، كما تقول مصادر قيادية في "التيار الوطني الحر"، فان من غير المعقول التحكيم في "المباريات" باستعمال المدفعية الثقيلة.

حقاً تعبنا. تعب الناس وتعب لبنان حقاً. نفهم ان يكون الغضب من مستلزمات الانضباط العسكري، واحياناً الصدق. ونفهم، وعلى الرأس والعين وبكل موضوعية، أن تطبع مسالك الجنرالية لهجة عون وخطابه، حتى ولو أراد ان يقول مرحباً. ولكننا لا نستطيع ان نفهم ما الذي استدعى تصريحات الغضب الساطع مرة جديدة من الرابية، وبطريقة فاجأت العونيين قبل غيرهم، فاذا بالجميع يفرّون الى ملاجئ اليأس والتشاؤم التي كانوا يقبعون فيها منذ زمن بعيد.

❒❒❒

اذا كان المقصود فعلاً كما يقول عون، قطع الطريق على موجة التفاؤل المصطنعة التي اطلقتها تصريحات في قوى الأكثرية، مبشرة باقتراب ولادة الحكومة التي ينتظرها لبنان والعالم من اقصاه الى اقصاه، وذلك في سياق خطة مبرمجة هدفها القول غداً، ان عون هو الذي أفشل الحكومة مرة أخرى عبر المراوحة عند مطالبه المعروفة، اذا كان هذا هو المقصود فعلاً، فإن الجنرال يكون قد سار بعينين مفتوحتين الى الفخ الذي قال للتو ان موزعي التفاؤل قد نصبوه له. والدليل ان تصريحه ألقى مياهاً باردة على رؤوس اللبنانيين جميعاً. اذ ان السؤال الوحيد الذي يطرح الآن في البلد هو: "ماذا عدا مما بدا".

يكتسب هذا السؤال أهمية ومشروعية، لأن موجة التفاؤل التي اراد عون ان يوقفها. لم تكن من صناعة الاكثرية وحدها، بل ان المعارضة ساهمت هي ايضا في اشاعة التفاؤل، حتى عون نفسه رسّخ هذا الاحساس التفاؤلي بعد اجتماعه مع الرئيس المكلف سعد الحريري وما قاله عنه من كلام لا يخلو من الثناء.

كان من الممكن ان يفهم اللبنانيون وان يبتلعوا ريقهم مرة اخرى لو كان التصعيد الذي استمعوا اليه، قد جاء في سياق استمرار الخلاف وانقطاع الحوار بين الحريري وعون، ولكن الغضب تفجر وسط سماء آخذة في الصحو والنقاء. ولعل هذا ما دفع الى ما يشبه "الاستحقاق الاحترازي" في كلام عون نفسه وفي توضيحات العونيين، حيث بدا الحرص واضحا على القول ان ذلك التصريح الغاضب لا يعني انقطاع الحوار، وهذا أمر جيّد والله!

❒❒❒

الأمر الجيد الآخر، هو اعتصام الرئيس المكلف بحبل الصمت وعدم التعليق، وهو ما لوحظ ايضا في اوساط "تيار المستقبل" تحديداً ان صيام الحريري عن التعليق والكلام بات في نظر البعض يوازي "صبر ايوب". ولكنه الذي يتحمل المسؤولية ليس مثل الذي يلوذ بالمراقبة. فالرجل يريد ان يصنع فعلا حكومة وحدة وطنية، ولكن العناصر اللازمة للعجينة السياسية لهذه الوحدة ولهذه الحكومة، ليست متوافرة لاسباب كثيرة يتداخل فيها الخارجي مع المحلي. فبدلاً من الطحين يفيض الاناء السياسي بالرمل والحصى. وبدلاً من السمن والعسل تتداخل النكاية بالمرارة، ليبقى لبنان في جوع.

وعندما نتحدث عن الأمور الجيدة فإن الموضوعية والاخلاقية تستدعيان منا الثناء على موقف النائب سليمان فرنجيه، الذي قدم مثالا في تحسس المسؤولية الوطنية، عندما رأى انه اذا كان الحل يكمن في التخلّي عن وزارة معينة والقبول بحقيبة وزارة دولة، فانه لن يتأخر عن ذلك. وفي الامر وسط هذه الظروف فروسية واضحة.

❒❒❒

بكل محبة وتقدير واحترام نقول للجنرال عون، ان الغضب ليس سيئاً، بالضرورة. وان الرجال أساليب وأطباع وليس غريباً ان يكون الغضب احياناً نتيجة تفاعل بين الانضباط والصدق والحماسة.
ولكن الغريب يا جنرال، انه كان في امكانك أن توقف موجة التفاؤل بكلمتين، كأن تقول: "لا تبالغوا في التفاؤل". كان يمكن ايضا، وقد كنت في صدد الاتفاق مع الرئيس المكلف على موعد ثالث لاستكمال الحوار بينكما، ان تلفته الى ان من غير المقبول اصطناع التفاؤل مقدمة لاتهامك بالتعطيل، مع العلم انك انت واصوات في المعارضة شاركتم في اشاعة هذا الجو من التفاؤل الذي يبدو الآن انك قصفت عمره.

وبكل محبة يا جنرال. صدٍّق ان اللبنانيين، وفي مقدمهم العونيون، تعبوا، وانهم يستحقون ان يتذكروا على الاقل ان في الحياة شيئاً اسمه التفاؤل، يستحق لبنان ان يخرج من ملاجئ الاحباط واليأس والتشاؤم وان يتنفس الصعداء مثل كل أوطان العالم.

وصدقني ان حكومات الوحدة الوطنية يجب ان تستحق اسمها لتولد وترى النور وتعيش وتعمل، وأن لا وحدة في الانسان الفرد او في العائلة او في الوطن خارج الحوار والتفاهم والثقة والمحبة… وخصوصاً خارج التسامح الذي ينادي به الاسلام، والتواضع والتضحية اللذين تنادي بهما المسيحية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل