
كتب أمجد إسكندر في “المسيرة” – العدد 1549:
من حسن حظ سوريا، المنكوبة حالياً، أن حلولها الآتية لن تمر بإتفاق “طائف” ما. الثمن الكبير للدم وللدمار في سوريا، قد يأتي بحل كبير. الفدرالية. هذه الفكرة الروسية، التي قد تكون لإغاظة تركيا وعدد من الدول، لا شك أنها رسمت اتجاهات الحل السوري. الاتجاه نحو الفدرالية، أو نوع من لامركزية معينة. على رغم أن هذا الإتجاه من دون طريق واضحة، ومن دون سقف زمني محدد، إلا أن كلمة السر الروسية أظهرت أن “سوريا المركزية” ذهبت الى غير رجعة. لا عودة الى الحزب المركزي الواحد، الحاكم بواسطة عائلة علوية.
هذا الاتجاه السوري نحو الفدرالية، جاء معاكساً للإتجاه اللبناني الذي نشأ في اللحظة الأولى للتفتيش عن الحلول بعد انفجار العام 1975. كل مقترحات الحلول اللبنانية، من وثيقة دستورية، ومسلمات، و”ورقة غلاسبي” و”الاتفاق الثلاثي”، وصولاً الى إتفاق الطائف، كانت ترقيعاً “للصيغة” التي استقر الرأي عليها بعد الاستقلال عن فرنسا. بقينا ندور في الحلقة المقفلة ذاتها. تبديل في أرجحيات السلطة، لا يعيش إلا على حساب أكثر من طائفة، وأكثر من منطقة. وصيغة، مهما تقلَّبَتْ، مفطورة على إغداق المكاسب على ناس وإنزال العواقب على ناس آخرين.
وكأن المهم دائماً هو إنقاذ “الصيغة”، وليس إنقاذ الوطن. وبدا أن إنقاذ الوطن عبر “صيغة جديدة جذرياً” مسألة تحتاج الى جرأة لم تتوافر عند الكثير من القوى السياسية.
الفدرالية السورية المُعْلَنَة روسياً والمُضمَرَة أميركياً وأوروبياً، والمسكوت عنها عربياً، محظوظة بهذا المزاج الدولي. فالمزاج الدولي في الحرب اللبنانية لم يكن يتفهم أي اقتراح فدرالي للمعضلة اللبنانية.
لو أن أحداث 11 أيلول، وتفجيرات لندن، وباريس، و”داعش” ومشكلة اللاجئين، وقعت عشية اندلاع الحرب اللبنانية، لكان لبنان نجا من “حرب الاستنزاف السلمي” الحاصلة منذ العام 1990!
بهذا المعنى، سوريا الملعون حاضرها، محظوظ مستقبلها، مهما تأخر هذا المستقبل. ولبنان الملعون “بسلمه الهش”، يتمنى لمرة واحدة عودة “وحدة المسار والمصير” مع سوريا في مسألة فتح باب النقاش الفدرالي. لعنة لبنان أنه محكوم بقضاء العجلة دائماً. نستعجل الحلول الظرفية، ونعيش لعشرات السنوات في “حروب الاستنزاف الطائفي والسياسي”.
ليس للبنان “روسيا” ما، ترمي في البركة اللبنانية حجر الفدرالية، وتنتظر ردود أصحاب الشأن. كأن المطلوب لتصحيح “اتجاه” التاريخ أن يغرق لبنان بالدم والدمار على قدر الدم والدمار في سوريا، ليقف أحد ما، أو دولة ما، أو حزب ما وينادي: وماذا عن الفدرالية؟
شيء يدعو الى الأسى، أن يشعر اللبنانيون بأن “سوريا المركزية حزباً وعائلة” سيزول يوماً ضررها عنهم، ولكن سيبقى هذا “اللبنان” مريضاً في حاضره ومستقبله، ويعيش على دواء اسمه “الطائف” سبق وانتهت صلاحيته بفعل الوصاية السورية… الراحلة.