.jpg)
الصورة المحفورة في أذهان شريحة واسعة من اللبنانيين أن النائب سليمان فرنجية لا يرد طلبا لصديقه الرئيس السوري بشار الأسد، ولا كذلك الأمر لحليفه الاستراتيجي السيد حسن نصرالله، وان أولويته الثابتة الدفاع عن “الخط”، وتذكيرا بان الخط يعني ان القرار اللبناني يجب ان يكون ملحقا بالقرار السوري، وان السيادة اللبنانية مجرد تفصيل صغير في مواجهات الخطة الكبرى التي تبدأ في فلسطين ولا تنتهي في البوسنة، وان سلاح “حزب الله” ضرورة قصوى للتوازن الاستراتيجي في المنطقة.
وفي الذاكرة اللبنانية المحفورة أيضا انه لم يسبق لفرنجية ان تناقض مع “حزب الله” في مسألة من طبيعة استراتيجية على غرار الانتخابات الرئاسية، بل كان يتم رصد مواقفه لأخذ العلم والخبر بموقف النظام السوري أو الحزب، الأمر الذي يجعل من البديهي التساؤل عن أسباب هذا العصيان المستغرب على الحزب المتمسك علنا بالعماد ميشال عون، والذي كرر موقفه في أكثر من محطة ومناسبة.
فهل فك فرنجية تحالفه مع “حزب الله”؟ بالتأكيد كلا. وهل غادر فرنجية قناعاته بأولوية الخط على أي اعتبار آخر؟ بالتأكيد كلا. وهل أصبح لدى فرنجية هامشا واسعا من الاستقلالية يسمح له بتحدي إرادة الحزب والترشح في مواجهة مرشحه عون؟ بالتأكيد كلا. وهل يمكن لفرنجية ان يترشح لرئاسة الجمهورية من دون الموافقة الضمنية للحزب؟ بالتأكيد كلا. وهل يمكن لفرنجية ان يتمسك بترشيحه لولا معلوماته او “إحساسه” بان الحزب لا يريد عون رئيساً؟ بالتأكيد كلا.
ويصعب تفسير موقف “حزب الله” الذي اكتفى بالتمسك بعون من دون القيام بأي جهد إضافي خارج سياق تعزيز منطق الفراغ، لأن تمسك فرنجية بترشيحه يؤدي إلى إطالة أمد هذا الفراغ، فيما انسحابه من المعركة يضع الثلاثي بري-الحريري-جنبلاط أمام الأمر الواقع في ظل ترشيح جعحع لعون، حيث ان قواعد المعركة الرئاسية اختلفت بعد هذا الترشيح، وبالتالي سيضطر هذا الثلاثي او الحريري أقله الى تجديد مفاوضاته الرئاسية مع عون.
وأما الكلام عن الخشية من إعادة تبني ١٤ آذار ترشيح جعحع او أي مرشح آخر في حال انسحاب فرنجية هو مجرد كلام فارغ من أي مضمون، لان ترشيح جعحع لعون ثابت، ولأنه لو حصل هذا الترشيح سيبقى الفراغ سيد الموقف، هذا الفراغ الذي من الواضح انه مناسب جدا للحزب من أجل أن يبعد عنه “كأس” انتخاب عون.
ويصعب تفسير أيضا عدم تمني الحزب على فرنجية الانسحاب من المعركة الرئاسية خارج سياق إمساكه بالبدائل، فيكون فرنجية هو البديل عندما تستوي اللحظة الرئاسية إقليميا. فترشيح جعحع لعون أسقط ورقة التوت التي كان يتذرع بها الحزب لعدم توفير النصاب، ولكن بعد هذا الترشيح لا يستطيع الحزب ان يقنع أحدا انه لا يمون على فرنجية بالانسحاب، كما على كل مكونات ٨ آذار بانتخاب عون، فتتوفر الأكثرية للجنرال بين أصوات ٨ آذار و”القوات”، وتتأمن ميثاقية الجلسة بمشاركة “المستقبل”.
واستنادا إلى الوقائع يظهر “حزب الله” بانه غير معني بترتيب بيت ٨ آذار رئاسيا، لا في المونة على فرنجية بالانسحاب، ولا في حشد أصوات فريقه لعون، بل يساهم في تعقيد الانتخابات الرئاسية، فضلا عن انه لولا ترشيح جعجع لعون لكان الجنرال في موقع لا يُحسد عليه لجهة حجم الضغوط التي كان يمكن ان تنهال عليه للانسحاب من السابق الرئاسي في ظل مرشح تتقاطع على دعمه ثلاثة أطراف أساسية: التقليد السياسي والإقطاع والخط الممانع.
واللافت ان فرنجية وجه في أقل من أسبوع ثلاث رسائل: الأولى إلى “حزب الله” بانتقاده الموقف العربي وتحديدا الخليجي وخصوصا السعودي الذي صنف الحزب بالإرهابي، وجوهر هذه الرسالة انه أراد تسليف الحزب والوقوف إلى جانبه في عز حشرته، وان ترشيح الحريري له لا يبدل بموقفه من المقاومة ولا بدفاعه عنها او عن الخط الذي ينتمي إليه. ولكن ماذا عن موقف السعودية من كلام فرنجية؟
والرسالة الثانية إلى الحريري في حواره الساخن مع جبران باسيل في اجتماع الحوار الأخير، وفحواها انه على استعداد للتصدي لعون من مربع مسيحي، ودعوة للحريري من اجل التعويل عليه في مواجهة جعجع وعون معا، أي الاتكاء عليه مسيحيا، وبالتالي تطمين الحريري بان تحالفه معه يشكل تعويضا عن تحالفه مع جعجع. والرسالة الثالثة إلى عون بانه مستمر في ترشيحه حتى قيام الساعة، وانه على استعداد للدخول في مواجهة معه من دون سقوف.
وتأسيسا على كل ما تقدم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: بمن يستقوي فرنجية؟ وفي الإجابة: “حزب الله”.
