
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1550
الجزء الأول:
ثمة لحظات نعيشها ونفكر أننا تجاوزنا سوداويتها. وثمة محطات نفكر أن لا شيء يستفز ذاكرتنا لإعادة إنعاشها من جديد. لحظات نتمنى لو تسكن اللاعودة واللامكان وحتى اللازمان، لكن نكتشف انها لا تزال تعيش في نبضات حياتنا اليومية بصمت، فكيف إذا كانت هذه اللحظة هي البداية لحياة ثانية؟ بسام مهنا عاش تلك اللحظة. كان ذلك في شباط 1990.
للحظات شعر أن أبواب الجحيم فتحت في وجهه، والطريق باتت اكثر معبدة لاستقبال جسده الذي هوى بفعل اختراق شظية رصاصة 12,7 عموده الفقري. فهوى “المارد” إبن الـ22 عاماً إلى أسفل الدبابة التي كان يطل منها إلى الحياة ويواجهها بعنفوان وإيمان. فكر ان جسمه انشطر إلى نصفين. لكن وحدها حياته انشطرت في تلك اللحظة إلى حياتين لتطوي مع الأولى قصة مقاوم لبس البدلة الخضراء بعدما رأى الخوف في عيون أطفال والدموع في عيون أمهات ثكالى على استشهاد أولادهم ولأنه رفض ان يبقى في الملجأ فيما رفاقه على الجبهات.
…ودخل بسام حياته الثانية لكن ليس كما عاشها في الأولى. دخلها على كرسي متحرك بسبب تلك اللحظة الملعونة. فكان عليه ان يختار إما أن يستسلم لشطر جسمه الثاني المقعد او أن يتحكم به. فكان الخيار المبني على إرادة الحياة .
من إيطاليا حيث يعيش بسام مع زوجته لورا وولديه جوليو وجينيفرا يروي بسام شهادة حياة كنا فكرنا انها تشبه في تفاصيلها بعضاً من روايات أبطال عاشوا وشهدوا… لكن لا شيء من ذلك. فشهادة بسام تمشي كما عمره على كرسي الإرادة والإيمان بأن الحياة ليست مجرد لحظة.
26 عاماً مرت على تلك اللحظة التي قلبت معادلات لكنها لم تطو صفحة المقاوم في صفوف “القوات اللبنانية” ولم تغير من قناعاته. 26 عاماً وحياة بسام مهنا لا تسير في الواقع إلا على كرسي متحرك. لكن كان لا بد من العودة إلى الأولى. ومن هناك يبدأ بسام شهادة حياته التي يرويها بشغف وتقطع… فوجع الذاكرة أقوى من كل الآلام التي تحملها بعد الإصابة.
تحت سماء العاقورة ولد بسام مهنا. كان ذلك في 31 آذار 1967. لم يكن بكر البيت. فشقيقه فادي سبقه إلى هذه الدنيا وكرت من بعد بسام نعمة الأولاد في بيت آل مهنا العاقوريين. فولدت نورما ثم شربل وميشال. لكن طفولة بسام كما اخوته لم يكتمل نموها في العاقورة بسبب التحاق والده الجندي في الجيش اللبناني بثكنة ابلح فكان من البدهي ان تنتقل العائلة إلى مقر سكنها الجديد القريب من مكان رب البيت. ولاحقاً انتقلت العائلة إلى منطقة سد البوشرية حيث تلقى بسام علومه في احدى المدارس الخاصة لينتقل بعدها إلى مقاعد ثانوية الجديدة الرسمية. وهناك بدأ يتعرف إلى حياة القتال والعسكر من خلال الدورات التي كان يتابعها في معهد “دون بوسكو” مع شقيقه فادي.
أحلام بسام وطموحاته العلمية كانت كبيرة. لكن مشاهد الخوف في عيون الأطفال الذين كانوا يركضون إلى الملاجئ مع أهلهم والأخبار التي كانت تصل تباعاً عن ممارسات جيش الاحتلال السوري واتباعه بدأت تقلب مقاييس طموح ذاك الشاب الذي كان يقف على أبواب المرحلة الجامعية. “كان الدم يغلي بعروقي بس شوف مشهد الشباب راجعين من المعركة محملين بتوابيت بيض وكل مرة امشي بموكب دفن شهيد إسأل حالي انا شو بعدني عم بعمل هون؟ وأكتر شغلة كانت تأثر فيي بس كنت انزل انا ابن 13 سنة ع الملجأ مع اهلي والشباب برا على الجبهات عم بيحاربوا ويستشهدوا. وقررت إنو لازم كون معن على الجبهة وانتسب لـ”القوات اللبنانية”.
في نهاية العام 1986 تقدم بسام بطلب الإنتساب إلى معهد غوسطا وكان انهى مرحلة الدراسة الثانوية. يومها لمس الخوف في عيون والدته التي حاولت عبثاً ان تردعه عن قراره، وصمت الوالد الذي وافق على قرار ابنه على مضض لأنه ادرك ان خياره ثابت ولا مجال للعودة عنه. يومها كان المعهد يستقبل طلاب الدورة السابعة “كانت التدريبات العسكرية قاسية جداً وتحملتا على رغم كل الصعوبات لأنو كنت مقرر إتخرج من المعهد برتبة ضابط. بس للأسف كنا الدورة الوحيدة اللي تخرجت من دون ما نتسلم السيوف. مع ذلك بعترف إنو كانت من اجمل أيام عمري وبعدا مطبوعة بذاكرتي”.

الصور تعبر في مخيلة بسام. يحاول ان يصحح بعض التواريخ، بعض المحطات الجغرافية التي أمضاها على الجبهات مع الرفاق. لكن كلها صارت جزءا من البوم صور مطبوعة في الذاكرة والباقي تفاصيل. فالمكان والزمان صارا ملك تلك اللحظة. قبلها خدم على عدة جبهات، المتحف ومرفأ بيروت وحاجز البربارة… وفي كل مرة كانت تستغرق المهمة نحو 3 اشهر، ليعود بعدها إلى المعهد ويكمل الدورة.
في نهاية العام 1988 انتسب بسام إلى سلاح المدرعات في ثكنة مستيتا وخاض دورات تدريب قتالية في وطى الجوز. مع اندلاع أحداث أمنية متفرقة في العام 1989 شعر انه دخل مرحلة قتالية جديدة لكن مهماته مع مجموعة الرفاق كانت تقتصر على البقاء في حال الجهوزية والتأهب استعداداً لأي طارئ.

عندما اندلعت شرارة حرب الإلغاء في 31 كانون الثاني 1990 كان بسام في ثكنة المدرعات في مستيتا. واول معركة خاضها في المفهوم القتالي كانت معركة مطار حالات “كانت من ابشع المعارك، استشهد فيا 2 من رفاقي على مدرج مطار حالات شربل شليطا وسبع بدران”. يصمت ليعود إلى تلك المعركة التي لا تزال تحفر خصوصاً انها كانت الأولى في تاريخه العسكري وشهد فيها على استشهاد رفيقين: “بس أتذكر التفاصيل بحس كأنو فيلم سينما. شربل وسبع كانو بدبابة خلف دبابتي. فجأة بتسقط قذيفة مباشرة على دبابتهم. بطّلع لورا بشوف النار مشتعلة بالدبابة. بنادي سبع ع الجهاز ما بيرد. النار عم تقوى اكتر. بكرر النداء وبقللو سبع انتبهو الدبابة عم تشتعل. كمان ما في جواب. بعطي الأمر لسائق دبابتي بالتحرك فوراً. بيقللي نحنا مكشوفين واي تقدم يعني انو صرنا داخل حلقة النار والخطر. بقللو تحرك شو ما كان التمن. ما كان قدامي الا هالخيار. بلش الرصاص ينزل علينا متل الشتي. بوصل ع دبابة الشباب و… يصمت بسام ويتابع بتقطع وكأنه يريد ان يحتفظ بتفاصيل ذاك المشهد الموجع لنفسه”. أنا وعم بطلع ع دبابة سبع بشوفو غرقان بالدم. بقرب عليه… كان استشهد. بروح عند شربل…بس للأسف كمان كان استشهد لأنو الإصابات كانت بليغة جداً… كانت أول تجربة موجعة بحياتي. بطلب من السائق والملقّم يطلعو من الدبابة فورا لأنو كانت راح تنفجر بين لحظة والتانيي… وبلشنا نركض بحقول الموز لأنو كان مستحيل ارجع على دبابتي بسبب كثافة النيران. بعد ساعة تواصلت عبر الجهاز مع ثكنة مستيتا وطلبت منن المساندة… وتاني يوم خضنا تاني معركة حامية بالرابية مارين بس بشكر ربنا انو ما سقطلنا فيا ولا شهيد”.

يعترف بسام ان المعارك التي شارك فيها في المفهوم القتالي كانت قليلة لكن الثمن كان غالياً على مستوى الشهداء. إلى ان اقترب موعد تلك اللحظة. كان ذلك في 9 شباط 1990 وتحديداً في القليعات. ذاك اليوم يسرد بسام تفاصيله بدقة وكأنه لا يريد ان ينسى مجرى التاريخ الذي ادخله حياته الثانية “كنا في موقع القليعات وكان الوقت فجراً. كنت عم بحاول ارتاح شوي. فجأة بسمع صوت احد الشباب عم بيوعيني ويقللي انو في صوت رصاص قريب. بوعا وبطلع لبرا. كان الوقت فجراً بسمع أصوات ملالات عم تدور وتطفي….”. يسكت بسام. يتنهد كمن يريد ان يقفز فوق تلك اللحظات “كل شي صار بسرعة. طلعت ع دبابتي T 56 وأطلقت نحو 6 قذائف. وبأقل من نص ساعة بتقول جهنم وانفتحت بوابا. للحظات فكرت إنو كل الشباب استشهدوا. المواجهة كانت على مسافة 15 متر ويمكن أقل. الضباب كثيف والقصف متل زخات الشتي. فجأة بشوف قدامي دبابة M48 مدفعها مصوب نحوي. حاول السائق يرجع بس اتدهورت دبابتو. ما حدا بيقدر يتخايل هايديك اللحظات الجهنمية الا اللي عاشا. وبأقل من ثواني حسيت انو الدني برمت فيي. ما فهمت شو صار. كنت واقف ع الدبابة نص جسمي برا والنص التاني تحت. فجأة بهوى وبنزل على كعب الدبابة. تحت كان في سليم عطالله وبسام الحلال وشب تالت من بيت قرياقوس. الدني كانت عم تبرم فيي. ما حسيت بوجع. بس حسيت كأنو وقعت بحفرة كتير غميقة. تماماً متل ما تكون ماشي ع الطريق وتسقط بحفرة مخفية. بس انا وعم بهوي حسيت انو في شي غريب عم بيصير. صلبت إيدي على وجي وجيت قاعد بأرض الدبابة. وما كنت حاسس بنص جسمي الأسفل. بس بيني وبين حالي قدّرت انو جسمي انشطر لقسمين لأنو ما في الا وجع بس ما شفت ولا نقطة دم. تصوري انو ولا لحظة فكرت انو انشليت. جربت ضل واعي لأنو في شباب بأمرتي وحياتن بإيد الله ومن مسؤوليتي. ولو غبت عن الوعي كنت اكيد اليوم صورة مكللة بشريط أبيض ببيت اهلي. طلبت من بسام يفل هوي والشباب من الدبابة. رفض لأنو ما بدن يتركوني بساحة المعركة. قلتللو هيدا امر عسكري وما فيني اعمل شي لأنو “انقص” جسمي بالنص. لهالدرجة كنت رافض فكرة انو كون انشليت. اتصلت ب فادي الشاماتي وقلتللو إني انصبت وأعطيت الشباب أمر بأنو يفلو. قللي ما تخاف راح نجي ونخلصك. وما عدت قدرت إحكي كلمة بعدا”.

في تلك اللحظات اشتدت حدة القصف وكثافة النيران. أصوات رفاق بسام في الخارج. فادي حمامة جورج شحود… لكنه كان عاجزاً عن الحراك او حتى الصراخ. وحتى لو اطلق العنان لصراخه فإن إمكانية الإستجابة لندائه مستحيلة بسبب حدة المعارك. البرد بدأ يتسلل إلى عروقه أو ما تبقى من عروق جسمه النابض بعصب الحياة. فجأة سمع أحدهم يقول: “منفجر الدبابة؟” صرخ من الداخل… “أنا هون ما تفجروا” وكأنه أراد ان يقول لهم “لا أريد ان استسلم”. فكانت يد العذراء ودعوات أمه على السمع.
عملية إخراج بسام او سحبه بحسب التعبير العسكري من الدبابة كانت اقسى واكثر وجعاً من الإصابة. فهذا الشاب ابن 22 عاماً كان يتمتع ببنية قوية وطول 180 سنتم مما حال دون إمكانية سحبه بسهولة من فوهة برج الدبابة وادى ذلك إلى إصابته بثلاث كسور في الأضلع بقي يعاني منها طيلة 8 أشهر. يصمت ويردد: “الله يرحم الشهدا. بهالمعركة استشهد إلنا رفاق كتار غابي خضرا وميشال مسعود. وأصيب كل من فادي حمامة ووليد خوري إصابات بليغة أدت إلى بتر قدم كل منهما”. أكثر من ذلك لم يعرف بسام مهنا شيئاً، او قل لم يكن يريد ان يعرف. حتى انه يتذكر أو أيضاً لا يريد ان يتذكر من تلك اللحظات إلا وجوه رفاقه الشباب وأصوات المدافع والرصاص وإحساسه بالرجفة بسبب تبلل البدلة بالأمطارأثناء عملية نقله من الدبابة إلى المبنى الذي وضع فيه مع الشباب…
عملية نقله إلى المستشفى تمت بواسطة ملالة عسكرية، وضع فيها بشكل غير آمن وكان يصرخ من الألم بسبب الكسور في الأضلع حتى انه لم يعد يتذكر المستشفى التي نقل إليها “لكن المسافة كانت قصيرة على ما أذكر… ولا تنسي 26 سنة مرقوا”.
المشهد في تلك المستشفى اعاده في الذاكرة إلى صور من أفلام الحربين العالميتين: “وضعوني على حمالة في بهو واسع يعج بالجرحى. تخيلي المشهد. أنين الجرحى وصراخن وريحة الدم بعدا كأنو مبارح”… حتى تلك اللحظة لم يكن بسام يدرك حقيقة اصابته وخطورتها. لكن عندما أدخل إلى غرفة الطوارئ سمع احد الممرضين يقول “إنه مصاب برصاصة في عموده الفقري وانشلّ”. ويروي بسام: “بهاللحظة ما قدّرت خطورة إصابتي لأنو الفحص ما كان دقيق. حتى ما بعرف كيف شخّصو الإصابة وكمان الكسور بالأضلع. بس بتذكر إنو بثواني قرروا يسحبو الدم اللي كان معبا بالرئتين بسبب الكسور بالأضلع وفوتولي نربيج من زلاعيمي من دون بنج… وما وعيت إلا وأنا بغرفة العناية الفائقة”.

بعد 6 أيام طلب بسام من احدى الممرضات الإتصال بأهله بعدما أعطاها الرقم وكان اللقاء او المشهد الذي طبع في ذاكرته: “بس وصلو امي وبيي ع المستشفى بيشوفوني مربط وموصول بالنباريج. وقفت امي عند باب الغرفة مذهولة. كانت تبكي وتردد الحمدالله ع سلامتك يا ابني سلامتك يا ابني…وسأل والدي الممرض الذي كان حاضراً في الغرفة عن وضعي الصحي” فأجابه: “إبنك مصاب برصاصة بضهرو وانشل”.
صمت، ذهول، رفض نكران…كل هذه العبارات تصح لوصف المشهد في الغرفة آنذاك لكنها لا تفي المشهدية حقها. في تلك اللحظة بكيت، وبحسرة يقول بسام. بعد نقل بسام إلى غرفة عادية اقتصر العلاج على العقاقير المضادة للإلتهابات وبقي راقداً في الفراش مدة 3 أسابيع مما تسبب له “بعقر” في انحاء مختلفة من جسمه نتج عنها إصابته بالتهابات حادة في الدم وارتفاع في الحرارة بشكل متواصل “بعد 3 أسابيع حسيت انو الحياة عم تاخدني وتجيبني. كنت حاسس انو فقدت السيطرة على كل شي وعاجز عن أي حركة باستثناء تحريك إيديّي”.
حتى لحظة وصوله إلى المستشفى اللبناني للمعوقين في بيت شباب كان بسام متأكداً أنه سيتمكن من المشي بعد شهر شهرين سنة سنتين… المهم أنه ذات يوم سيعود ليقف ويسمع من جديد عبارة “وصل المارد”. لكن مجرد وصوله إلى هناك بعد 5 أسابيع من العلاج التقليدي في المستشفى شعر انه دخل عالم الإعاقة. في الساعات الأولى لم يبد أي رد فعل. لم يغضب لم يحزن لم يصرخ “هاو كلن صاروا معي بإيطاليا. بلبنان كنت عم بعيش كل يوم بيومو. ما كنت عم بفكر بحالي. كل شي كان عم بيصير بسرعة. اساساً وجع الكسور بالأضلع والعقور ما سمحولي فكر بشي”. طيلة تلك الفترة لم يتركه والداه. كانا رفيقا لحظات عمره الجديد. وماذا عن رد فعلهما؟ يجيب بسام “بيي أساساً رجل عسكري وقليل الكلام. بعد إصابتي صار كلامو اقل. ما كان يعبر بالحكي. بس كنت شوف الحزن والغضب بعيونو. وتقبّل إصابتي بقوة وصلابة وإيمان. بس الماما كنت شوف دموعا اللي نشفو بفترة وجودا معي. وكل ما كانت بدا تبكي تضهر من الغرفة او تفوت ع الحمام. وبعتقد انه من هايداك الوقت ما وقفو دموع إمي حتى لحظة انتقالها إلى أحضان يسوع ليلة عيد الميلاد في 25 كانون الأول 2006 بعد معاناة مع مرض السرطان”.
في بيت شباب تعرف إلى رفاق له في الإختلاف وشعر بإعاقته من خلال المحيطين به. وبدأت رحلة العلاج الفيزيائي. وللمرة الأولى تمكن من الخروج إلى الهواء الطلق مع المعالجين الذين اصروا عليه بذلك بعدما كان امضى اكثر من 8 أسابيع بين جدران غرف المستشفيات والعناية الفائقة. ويروي بسام: “كان معي شاب معوق بنفس الغرفة وكان يخبرني انو الحياة ما بتوقف إذا اصبنا بإعاقة ما او بشلل. وبتذكر كلمتو”هاي مش آخر الدني”. حتى أهالي المعوقين والراهبات والممرضات اللي امنولي السند المعنوي والنفسي كان حديثن معي يتركز ضمن هالمحور تا يرفعولي من معنوياتي علماً انو انا ما كنت مقتنع بعد إنو صرت معوق”.

لائحة مصابي “القوات” التي تقرر نقلها إلى إيطاليا للمعالجة شملت بسام مهنا من دون ان يدري كيف سارت العملية ومن وضع إسمه على اللائحة. وبدأت الترتيبات لتسفيره. إلى ان جاء اليوم حيث تم نقله إلى مرفأ جونيه بواسطة سيارة إسعاف. كان ذلك في 15 آذار 1990. هناك طالت مدة انتظار وصول الباخرة. يتذكر بسام ويضيف: “عندما وصلنا إلى المرفأ كان هناك الكثير من المصابين الذين كانوا ينتظرون نقلهم إلى الباخرة. وقبل ان يتم نقلنا إلى الداخل إذا بي اسمع صوت شقيقي فادي. كانت المرة الأولى التي اراه فيها منذ 31 كانون الثاني 1990 يومها التقينا في ثكنة مستيتا وكنت استعد على دبابتي للتوجه إلى مطار حالات. سألته: “شو جايي تعمل؟” أجاب انه جاء ليطمئن علي لأنه لم يعد قادراً ان يبقى في البيت وانا اقاتل على الجبهات. فتمنيت عليه ان يذهب بسرعة لأن الوقت يداهمنا ودعني وقال لي: “الله معك خيي انتبه ع حالك”. ويستطرد بسام من إيطاليا: “بفتكر انو من هيداك النهار لبس فادي البدلة الخضرا”.
ذلك اليوم عانق فادي شقيقه بسام كما لم يعانقه يوماً. شد عليه بقوة وكأنه أراد ان يتلمس حقيقة وجوده معه. وانهمرت دموعهما. وودعه على أمل اللقاء قريباً. من مرفأ جونيه انطلقت الباخرة وكانت تقل عدداً كبيراً من الجرحى منهم في حال الخطر: “كان المشهد مرعب أصوات أنين الجرحى بعدو بدينيي. بتذكر كان معي إيبول عطالله على نفس الباخرة. ما كنت بعد بعرفو. وما كنت أصلاً قادر إحكي مع حدا. كان معنا ممرض وتولى إعطاءنا المخدر وتبديل أكياس المصل”.

عند وصولهم إلى مرفأ لارنكا تم نقل الجرحى والمصابين بواسطة سيارات إسعاف وصولاً إلى مطار لارنكا حيث كانت تنتظرهم طائرة مجهزة، لتحط بعد ساعات في مطار فينيز في إيطاليا ويبدأ معها بسام مهنا مشوار الحياة الثانية التي لم يصدق انه دخلها إلا عندما تم سحب شظية رصاصة الـ12،7 من عموده الفقري وسلمه إياها الطبيب في أنبوب وقال له: “بسام إنت ما راح تمشي كل حياتك. انشليت وراح تكمل حياتك على الكرسي المتحرك”.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
(يتبع)
