#adsense

يوسف الصامت الأكبر في حياة يسوع

حجم الخط

قليل جداً ذكر يوسف في الإنجيل. لم تُنقل عنه كلمة. بعد حادثة الهيكل لم نسمع أخباره. لا كيف عاش ولا كيف مات. هذا الإبهام في حياة يوسف يطلق العنان لمخيّلة المؤمن حول ذاك الرجل الذي انقلبت حياته رأساً على عقب مذ كلّمه الملاك مُرسلاً من الله. أبلغه أن خطيبته حامل وطلب منه أن يهتم بها وبابنها! إنه أمر إلهي مبرم!

بعد هذا الكلام العجيب، أتخيّل يوسف متوجّساً ومرتعباً وثائراً يسأل: ما هذه القصّة؟! كيف لي أن أصدّقها؟! كيف تكون خطيبتي حاملاً وليس بيننا علاقة بعد؟! كيف لي أن أقبل بأن تكون حاملاً من “آخر”؟! ولماذا أهتم بابنها؟!… أسئلة أتخيّلها قضّت مضجع يوسف. جعلته يعيش صراعاً عميقاً. فهو إنسان. ومن حقّه أن يطرح كل هذه الأسئلة والكثير غيرها…

ربّما ناقش يوسف مع مريم كل هذه الأمور والأفكار. ربّما عاتبها وصرخ بوجهها وهدّد بتركها لتواجه “الفضيحة” بمفردها. أقول “ربّما” لأن الأناجيل لا تنقل شيئاً من هذا القبيل. جلّ ما تنقله لنا هو سماع يوسف لكلام الملاك له وتنفيذه لما طلبه منه بصمت! صمته يعكس حباً صادقاً لمريم، وإيماناً عميقاً بالله، وشخصية قويّة. بصمت آمن بكلام الملاك. وبصمت قبِل أن تتحوّل حياته من حياة عادية في الناصرة إلى حياة استثنائية مع طفل استثنائي، حُبل به عجائبياً، وسيولد عجائبياً، وسيصنع العجائب في حياته وبعد مماته…

لست هنا بصدد كتابة مقال في لاهوت القديس يوسف. ولا بصدد إلقاء عظة. فأنا تركت الوعظ منذ زمن. ولكني أحاول التفكير في صفات يوسف الإنسان. التحوّل الذي طرأ على حياته أظهر صفات مهمّة في شخصيته. وكأن قوّة الإنسان لا تظهر إلا في الظروف الاستثنائية والصعبة. وهل هناك موقف أكثر استثنائية من أن يتلقى الإنسان “أمراً الهياً” أو موقف أكثر صعوبة من أن يبلّغ شاب بأن خطيبته حامل؟!

في البداية أظهر يوسف عمق إيمانه. فهو صدّق ما قال له الملاك. لم يشكّك به. لم يناقشه. لم يسأل عن التفاصيل. كان ينفّذ دون جدل. وكأنه جندي يتلقى أمراً عسكرياً! في الحياة العسكرية مبدأ أساسي: نفّذ ثم اعترض. أما يوسف فلم يعترض. كان ينفّذ. ومن ثم ينفّذ… يروي متّى في بداية إنجيله أن الملاك ظهر له “في الحلم وقال له: “قم، خذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر… لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله”. فقام يوسف وأخذ الطفل وأمّه…”. بعد فترة تلقى أمراً ثانياً من الملاك ذاته يقضي بإعادة الطفل وأمّه إلى “أرض إسرائيل”. “فقام وأخذ الطفل وأمّه ورجع إلى أرض إسرائيل.” (متى 21:2). لم يسأل! لم يستفسر! لم يعترض!

موقف يلزمه الكثير من الشجاعة خاصة وأن الحاكم هيرودوس يبحث عن “الصبي ليقتله”. لم يخف يوسف. لم يتراجع. أخذ على عاتقه “عائلته” الجديدة. سافر بها إلى مصر. مرّ بين حواجز ونقاط تفتيش الجنود الرومان. لم يروِ الرسل تفاصيل ذاك السفر الطويل في صحراء سيناء. ولكن دون شك أنه كان سفراً مرهقاً. وقد زاده الخوف إرهاقاً أعتقد أنه عاشه وحده كي لا تعيش مريم معه تلك اللحظات الصعبة. فهي أمّ الآن وعليها الاهتمام بطفلها الذي يحتاج إلى عنايتها وغذائها!

موقف يوسف تجاه أهل بيته ومجتمعه يحتاج شخصية قويّة. وإلا كيف له أن يواجه كلمات أبيه وأمه وانتقادات الأقارب والأصحاب على ما حدث لخطيبته مريم؟! من المرجّح أن عائلته قد نبذته. ورفضه مجتمعه. وإلا لماذا ولدت مريم في مذود في بيت لحم، “مدينة داود”؟ كيف يعقل ألا يجد يوسف منزلاً لأحد الأقارب أو الأصحاب يأوي فيه زوجته الحامل لتلد طفلها علماً بأن يوسف هو من “بيت داود وعشيرته” (لوقا: 2/4) ؟! رغم ذلك لم يتراجع. استمر في تنفيذ “مهمّته” الخلاصية بثبات.

أن يحب يوسف خطيبته مريم، أمر طبيعي. فكل شاب يعشق الفتاة التي يودّ الارتباط بها وتأسيس عائلة معها. ولكن أن يستمر في حبّها رغم “انهيار” مشروعه، فهنا تبرز قوّة الحب. ما حدث لمريم غيّر المعادلة. دمّر حلم يوسف. حرمه من حياة عائلية “طبيعية” بحسب المتعارف عليه، أقلّه في ذاك الزمن. بعد ولادة يسوع لم يتمكّن “الزوجان” من متابعة حياتهما الزوجية ولم ينجبا الأولاد. حُرم يوسف من نسل من صُلبه. لم تُنجب مريم أخوة ليسوع. فهي بقيت عذراء “قبل الميلاد وفيه وبعده”. أما “الأخوة” الذين يتكلّم عنهم الإنجيل، فقد استفاض البيبليون (رجال الاختصاص) في تفسير من هُم.

احتضان يوسف ليسوع أظهر عطفاً أبوياً كبيراً. أحبّ الولد. عامله كإبن له. من صُلبه. لا أعتقد أن تصرّفه هذا كان لحماية مريم من المجتمع فقط. إنما انطلاقاً من مسؤوليته الأبوية ومن إيمانه بيسوع على أنه “طفل إلهي”. سلوك يوسف “الأبوي” جعل المجتمع يعتبره والد الصبي فعلياً ويناديه “أباه”. بهذه الطريقة يسمّيه لوقا في لقاء سمعان الشيخ بيسوع في الهيكل. كما يذكر أن يسوع كان برفقة “والديه” عندما زار الهيكل بعمر الثانية عشرة. لهذا السلوك استحقّ يوسف لقب “بي العيله”.

في التاريخ قادة يصنعون الأحداث وآخرون تصنعهم الأحداث. يوسف من الصنف الثاني. صنعه حدث فريد من نوعه في التاريخ. لن يتكرّر أبداً. في السياسة القادة لا يتوقفون عن الكلام. أما في الإيمان فيصمتون. يصغون إلى سرّ الألوهة. هكذا كان يوسف الصامت الأكبر في حياة يسوع، الإله المتجسّد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل