حكومة الغُنْم للأقلية والغُرْم على الأكثرية
اثبتت المدة الطويلة التي جرى في خلالها بذل مجهودات كبيرة من قبل الرئىس المكلّف سعد الحريري لإنجاح عملية تأليف حكومته الاولى، ولم يوفّق حتى تاريخه، على الرغم من اجواء التفاؤل بقرب ولادتها هذا الاسبوع، ان عراقيل التأليف تنقسم الى قسمين، الاول خارجي اقليمي، ربط السماح بتشكيل الحكومة الى نتائج مفاوضات تجرى مع الولايات المتحدة الاميركية واوروبا، حول مواضيع عدة اصبحت معروفة تقريبا من الجميع، والثاني داخلي محلي يتوزع بين من يسعى الى كسب اكبر نصيب من الوزراء والحقائب لإعادة تقويم ذاته على الصعيد الشعبي، بعدما فقد قسماً كبيراً من شعبيته في الانتخابات النيابية الاخيرة، وهذا الفريق يقوده تكتل التغيير والاصلاح برئاسة عموده الفقري التيار الوطني الحر، وبين من يقف وراء التكتل مشجعاً وداعماً بالرجال والمال والسلاح وفيتو الشراكة الوطنية، لاعطاء زخم مؤثر للعقبات التي يضعها الحليف الاقليمي.
هذه العراقيل، ولو بدا انها مختلفة في الشكل، الاّ انها ترتبط مع بعضها بعضاً بهدف وحيد يعمل الاقليمي والمحلّي على تحقيقه بأي ثمن.
ومهما كانت مدة التعطيل التي تنعكس سلباً على الدولة والشعب معاً، وهو إلغاء نتائج الانتخابات النيابية التي جددت الثقة الشعبية بطروحات 14 آذار وثوابته، من خلال دفع هذا التكتل السيادي الى التنازل عما وعد به جمهوره في الانتخابات وعلى أساسه أخذ ثقته، في حال سلّم للمعارضة بأن تبتزّه في الوزراء والحقائب والبيان الوزاري، بحيث تلتزم الدولة مرغمة بعد تشكيل الحكومة سياسة ونهجاً جديدين لا علاقة لهما بطروحات وسياسة ونهج 14 آذار، فيفقد تماسكه نهائىاً بعدما فقده مبدئىاً بخروج وليد جنبلاط وكتلته، ويفقد شعبيته مستقبلا عند اي استحقاق يستدعي استفتاء الشعب.
ليس كل من في 14 اذار واعياً لهذه الخطة التي يتم تنفيذها بكثير من التصميم والتوحد والذكاء، وتلاحظ بوضوح لدى المعارضة من حيث التوزيع الدقيق للادوار، فمن جهة يظهر الفريق الذي يمسك بالقرار والقوة والسلاح الى الناس بوجه هادئ مسالم لا يتكلم سوى عن الشراكة والوحدة الوطنية، ولا يتطرق الى ما يملك من قدرات تعطيلية، في حين ان الفريق الثاني الذي يستمد قوته من قوة حليفه الاول، يصعّد ويفرض، ويفاوض، ويستقوي بزند غيره، ولذلك فإن توزيع الادوار هذا يربك البعض في 14 اذار معتبرين ان هناك نية حسنة للتسهيل، لكنهم سيلمسون متأخرين ان نيتهم الحسنة هم، قد اوقعتهم في فخ قسمة 14 آذار الى فريقين، فريق الحمائم وفريق الصقور، وقديماً قيل يسهل تكثير حزمة القبضان، قضيباً وراء قضيب.
المعارضة تعرف جيداً انه يتعذّر عليها ان تحكم لبنان وحيدة، حتى ولو كانت هي الاكثرية، وما قاله السيد حسن نصرالله عن قدرته على حكم دولة اكبر من لبنان بمائة مرة صحيح، ولكن ان يحكم لبنان التعددي، المتنوّع، المنفتح على جميع ثقافات العالم، القوي بعلاقاته وصداقاته العربية والاجنبية، فهو امر من سابع المستحيلات، الا اذا كان عن طريق الحديد والنار، وحتى هذا الاسلوب غير مأمون العواقب والنتائج، لما عرف عن اللبنانيين من هوس بالسيادة والحرية والكرامة والاستقلال، لذلك فإن المعارضة تريد ضمناً ان تكون شريكاً مضارباً للأكثرية، الغنم لها والغرم على الاكثرية، من هذا الباب يدخل عامل الابتزاز للحصول على حصّة طعام كبيرة من مأدبة تعدها الاكثرية دون ان تحرق الاقلية اصابعها بالطبخ والنفخ.
اما بالنسبة الى الحقائب الوزارية وانواعها وقياساتها ومواصفاتها، فمن المعيب اجراء مثل هذا التصنيف الذي ما زال الكل تقريباً يردده وكأنه نص منزل، فهذه حقيبة سيادية، وتلك حقيبة خدماتية، اما هذه فحقيبة هدية مع «البيعة»، واكثر الحقائب التي تمتهن بالوصف الاخير، فهي الحقائب الاهم اليوم في العالم الراقي، مثل البيئة والسياحة والرياضة والشباب والثقافة، وقد مرّ على هذه الحقائب وزراء تركوا بصمات مشرّفة من الجهد والعطاء والوطنية، فاغنوها واغنوا الدولة والوطن معها، ولا اريد ان ادخل في الاسماء، حتى لا أنسى احداً، وكلهم معروف ومحترم ومعطاء، وقد اثبت هؤلاء الوزراء بالفعل ان السيادي الحقيقي هو الوزير وليس الوزارة، وقد حان الوقت لوضع تعريفات جديدة تأخذ هذا الواقع في الاعتبار.