
منذ أسابيع تعيش البرازيل اضطرابات غير مسبوقة. سببها الرجل “التاريخي” لويس ايناسيو لولا دا سيلفا. الرئيس السابق الذي كان ينتمي الى الطبقة الفقيرة العاملة والذي وصل الى سدّة الرئاسة من خلال نضاله النقابي، يواجه تهماً بالفساد والسرقة. القضية ليست جديدة. ولكن الجديد فيها عثور الشرطة البرازيلية على براهين حسّية كفيلة بإدخال لولا الى السجن. أمام هذا الواقع عيّنت الرئيسة ديلما روزيف سرّياً رئيسها السابق ومؤسس الحزب الذي تنتمي اليه، وزيراً. ولكن الأجهزة الأمنية كشفت المخابرة السرّية بين ديلما ولولا وفيها تبلّغه بأنه اصبح لديه حصانة ولا يمكن للشرطة اعتقاله. اذيع الخبر في وسائل الاعلام. فما كان من البرازيليين الا ان نزلوا الى الشارع بالملايين مطالبين بمحاكمة لولا واستقالة الرئيسة. وما زاد الوضع تأزماً نقض احد القضاة في العاصمة برازيليا قرار تعيين لولا وزيراً. ما عقّد المسألة قضائياً.
ما يحدث في برازيليا يتجاوز الحدود البرازيلية ليطال تأثيره القسم الجنوبي من القارة الاميركية. فالبرازيل هي اكبر دول اميركا الجنوبية. وعضو مؤسس في منظمة ميركوسور التي تضم اليها الأرجنتين وفنزويلا والبراغواي والاوروغواي وفي منظمة اوناسور (UNASUR). سقوط النظام الاشتراكي الذي ارساه لولا سيشجّع الشعبين الفنزويلي والبوليفي على التخلّص من الانظمة اليسارية هناك التي تعاني من ازمات اقتصادية واجتماعية وتفوح منها ايضاً رائحة الفساد.
البرازيل، الدولة العضو في مجموعة الدول العشرين، والتي كانت تطمح منذ بداية القرن الواحد والعشرين لأن تصبح جزءا من دول الشمال وعضواً دائماً في مجلس الامن، تواجه اليوم ازمة سياسية ربما تطيح بنظامها الديموقراطي الحديث العهد. ورئيسها السابق صاحب مبادرة تأسيس اجتماعات القمة بين دول اميركا الجنوبية والدول العربية، والانفتاح على عوالم جيوسياسية خارج العالم الجيوسياسي الاميركي بما فيها الشرق الاوسط، مهدّد بدخول السجن بتهم الفساد والسرقة!
كيف بدأت الازمة؟
بدأت القضية في العام 2014 مع بدء التحقيق في مسألة فساد كبيرة في شركة النفط الحكومية بتروبراس (Petrobras)، عُرفت بعملية Lavagate أو “التطهير السريع”. خلال التحقيق تبيّن ان الشركة الحكومية وقّعت اتفاقيات مع ثلاث عشرة شركة خاصة دفعت لقاءها عمولة تراوح من 1 الى 3 في المئة من قيمة العقود. كما ظهر اسم لولا الى جانب اسماء نواب ووزراء قريبين منه مستفدين من هذه العمولة. اعتقال البرتو يوسف، احد المتهمين، ساهم في كشف العديد من الاسماء. فهذا البرازيلي من اصول لبنانية، الذي كان بائعاً لليمون، احترف منذ سنوات تبييض الاموال لكبار المسؤولين في مدينة “لاوندرين” في ولاية “بارانا”. من ثمّ وسّع نشاطه وشبكة علاقاته ليعمل في تبييض اموال حكام ولايات ونواب في مجلس النواب الفدرالي ومجلس الشيوخ في العاصمة برازيليا، ومن بينهم متورّطون في قضية بتروبراس. خلال التحقيق اقرّ البرتو يوسف بأسماء الاشخاص الذين كان يعمل معهم وبأرقام حساباتهم في المصارف خارج البرازيل، وذلك بهدف تخفيف الحكم ضدّه بحسب القانون البرازيلي. ما ساعد الشرطة على اكتشاف شبكة فساد كبيرة تضم مقرّبين من الرئيس السابق لولا. كما ظهر اسمه فيها. على رغم ذلك لم تتمكّن الشرطة من اعتقاله لعدم توفّر الدليل.
منذ حوالى اربعة اسابيع توفّر هذه الدليل اذ عثرت الشرطة في منزل لولا على ورقة تفيد بأنه يملك خزنة في المصرف المركزي البرازيلي. وهناك كانت المفاجأة! أغراض ثمينة تلقاها لولا كهدايا عندما كان رئيساً وهي ملك الدولة بحسب القانون البرازيلي. كما وجدت مقتنيات وتحف تلقاها رؤساء سابقون كانت محفوظة في القصر الجمهوري منذ عشرات السنين. دلائل حسّية بالسرقة والفساد تخوّل الشرطة القاء القبض على الرئيس السابق وسوقه الى السجن.
هذه الوقائع احرجت لولا دا سيلفا. واربكت الرئيسة روزيف. وصدمت الرأي العام الذي كان يرى في لولا دا سيلفا رمزاً للكفاح والنضال، ومناصراً للطبقة الفقيرة التي تشكّل غالبية الشعب في البرازيل. هذه النظرة الى لولا جعلته يحافظ على شعبية كبيرة حتى بعد مغادرته السلطة في العام2010. لماذا؟
إن العامل السابق في أحد مصانع الحديد كان ينتمي الى الطبقة الفقيرة. شخصيته الكاريزمية جعلته زعيماً في النقابات العمالية. وفي العام 1980 اسّس “حزب العمال” مع عدد من اصدقائه بعضهم من أصول لبنانية أبرزهم أفراد من عائلة بيطار الاغنياء والأعضاء في البرلمان. كاريزما المؤسّس والسياسة التي انتهجها اكسبت الحزب شعبية كبيرة اوصلت لولا الى سدّة الرئاسة للمرّة الأولى في العام 2002. خلال ولايتين متتاليتين نجح لولا في اعتماد سياسة اجتماعية واقتصادية ساهمت في تحسين ظروف الحياة لفقراء البرازيل وفي إعادة بعث الطبقة المتوسطة التي هي الاساس في تطوير الاقتصاد الوطني. مهندس هذه السياسة الاجتماعية كان الراهب الدومنيكاني فراي بيتو (Frei Beto)، احد ابرز اللاهوتيين في لاهوت التحرّر الذي انتشر في اميركا الجنوبية منذ السبعينات من القرن الماضي. هدف الراهب كان مساعدة الشباب الفقراء على الانخراط في سوق العمل من خلال تحسين الظروف الاجتماعية لعائلاتهم ومساعدتهم على الذهاب الى المدرسة والحصول على الشهادات الجامعية. لذلك طلب ان يكون الشرط الاساسي لحصول اي عائلة على “كرتونة” المساعدة الغذائية الشهرية ارسال الاولاد الى المدرسة والجامعة. وقد رافق هذه الخطّة تأسيس العديد من الجامعات في البرازيل لزيادة فرص التعلّم لجميع البرازيليين. ولكن بعد فترة راحت حكومة لولا تتراخى في تنفيذ شرط الحصول على “كرتونة” المساعدات الغذائية. واصبح همّها الحفاظ على هؤلاء الفقراء كأصوات ناخبة في الاستحقاقات الانتخابية. ما دفع الراهب الدومنيكاني الى مغادرة مكتبه في قصر الرئاسة والابتعاد عن لولا. ربما كان اوّل من لاحظ تبدّل العامل الفقير الى حاكمٍ همّه الوحيد الحفاظ على السلطة.
اليوم البرازيل تشهد توتراً سياسياً غير مسبوق يضاف الى الازمات الاقتصادية والاجتماعية. التظاهرات شبه يومية في مختلف المدن. يرفع خلالها البرازيليون شعارات تطالب بمحاكمة لولا وباستقالة الرئيسة. كما يطالب بعضها بعودة الجيش الى الحكم. المؤسسة العسكرية، التي حكمت البلاد بين عامي 1964 و 1982، تلتزم الصمت في هذه القضية. هدفها الاساسي الحفاظ على الاستقرار.
نائب الرئيسة ميشال تامر هو ايضاً يلتزم الصمت وينأى بنفسه عن هذه القضية. مصادر برازيلية تفيد بأنه لم يُجب على اتصالات الرئيسة منذ بدء الازمة. فهو ينتمي الى حزب “الحركة الديموقراطية البرازيلي”، احد اقوى الاحزاب الذي تحالف مع حزب “العمال” في الانتخابات ولكنه لا يؤيّده في العديد من السياسات التي انتهجها. وهو ربّما المستفيد الأكبر من إضعافه.
في العام 1992 شهدت البرازيل وضعاً شبيها بالذي يحدث اليوم. حينذاك اقيل الرئيس فرناندو كولور بسبب تهمٍ بالفساد. وأكمل ولايته نائب الرئيس. فهل يتكرّر السيناريو اليوم بإقالة ديلما روزيف، ليصبح ميشال تامر اول رئيس للبرازيل من اصول لبنانية؟ الايام او الاسابيع القليلة المقبلة ربّما تحمل الجواب.