#adsense

نعيش ديموقراطية الاكراه

حجم الخط

نعيش ديموقراطية الاكراه

في الوقت الذي تقف فيه منطقة الشرق الاوسط على فوّهة بركان يغلي بالاحداث والحوادث، وينتظر ان ينفجر في اي لحظة، ما لم تحدث عجيبة مستعجلة، وقد تمتد نيران الانفجار الكبير المحرقة الى العالم كله، وهذا ما يؤشر اليه اكثر من محلل استراتيجي في اوروبا والولايات المتحدة الاميركية من ان الحروب الصغيرة التي تدور في افغانستان والعراق واليمن وباكستان والصومال، هي مقدّمات وانذار لامكانية انفجار البركان الذي يغلي على وقع الصراع بين ايران وحلفائها من جهة وبين اسرائيل والولايات المتحدة واوروبا من جهة ثانية.

في هذا الوقت بالذات يسترخي السياسيون اللبنانيون على 24 خرزة من خرزات عامودهم الفقري، ويتشبهون بالمكسيكيين المشهورين بقيلولتهم التي تمتد الى ساعات طويلة في اليوم الواحد، ويؤجّلون من يوم الى يوم، واسبوع الى اسبوع، وشهر الى شهر عملية الاتفاق على حكومة اسموها حكومة الوحدة الوطنية، والتي هي في الواقع، اذا قيّض لها ان تتشكّل بعد عمر طويل، حكومة الانفجار الوطني، لانها تحمل بذور تفجيرها من الداخل، قياساً على ما يجري في هذه الايام من نزاعات وشدّ حبال وانانيات، ومحاولات استئثار وهيمنة وسطو على حقوق الغير والدولة.

يقول المثل «عند تغيير الدول احفظ رأسك» والمحافظة على الرأس تكون بتقوية «السقف وتحصين البيت» وترتيب المؤونة، والاستعداد شعبياً وحكومياً وسياسياً وعسكرياً، لمواجهة ما يمكن ان يطال البيت اللبناني من الحرائق المشتعلة حولنا، وليس بالتفتيش عن حقيبة لهذا القريب، او توزير هذا الحليف، او برفع سيف النكاية في وجه هذا الخصم السياسي، او «حق» النقض بحق الشريك في الوطن، او بانتظار ما سوف يسفر عنه لقاء هذه الدولة بتلك، واللقاء عقد لبحث امور لا علاقة للبنان بها، بل وظيفته ان يستخدم كساحة او رهينة، في تعديل كفّة هذا الطرف او ذاك.

بئس الديموقراطية التوافقية، إن كان اعتمادها سيقزّم الدولة، كما هو واقعها اليوم، وسيعطّل مصالح الناس، والشكوى في هذا المجال عارمة وشاملة، وسيضرب نظامنا الديموقراطي الحر القائم على مبدأ الانتخابات ووجود اكثرية واقلية، وسيعرقل اي استحقاق، ويجعله عرضة للابتزاز والمساومة، وتدخل القريب والبعيد.

أليس معيباً بحق اللبنانيين الذين ساهموا بوضع شرعة الامم المتحدة، وحقوق الانسان وشرعة الجامعة العربية، وملأوا العالم انجازات وانتصارات مبهرة، ان تتدخل في تشكيل حكومتهم دول عربية واجنبية، وشخصيات، قد تكون تضمر الحب للبنان، ولكن تدخلها هذا مؤشر الى اننا دولة قاصرة وبحاجة الى من يأخذ بيدها حتى لا تقع في محظور التفكك والفشل.

ومعيب ايضاً ان الحلول التي يحاول البعض ان يستنبطها اليوم، لا تقوم على مراعاة مصلحة البلد والدولة والشعب، ولا على التهيّب من الاخطار المحدقة، بل على مراعاة خاطر هذا القيادي، وعدم اشعاره بالانكسار، ان هو اخذ هذه الحقيبة الوزارية بدلاً من اخرى، او عدم اخذ ظروفه العائلية في الاعتبار عند التوزير، وكأن لبنان تحوّل الى دولة عشائر – مع كامل احترامنا وتقديرنا لها – بحيث تتم المعالجات بعيداً عن القانون والدستور والحق، بل على عصبية التحالف والمصالح الخاصة، ولمصلحة العشيرة الاقوى سلاحاً ورجالاً.

ان النظام اللبناني لم يفشل، بل الاعتداء على النظام هو الذي نجح، وفرض على اللبنانيين الالتزام بصيغة لا يمكن تحت اي ظرف ان تساعد على قيام الدولة، او ان تساهم في تظهير هذا النظام على حقيقته، والغاية الخلفية في حسابات اولئك الذين يصوّبون على النظام وينعونه منذ الان، هي اسقاط الكيان من الاساس، لان الكيان اللبناني قام على مبدأ الحريات السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية، والصيغة غير الديموقراطية التي يعمل الطامحون لهدم الكيان على تسويقها لتصبح شرعة ودستوراً، هي هذه التي اغلقت مجلس النواب، وعطلت عمل الحكومات، ومنعت انتخاب رئيس للجمهورية، وفرضت مبدأ اللجوء الى القوة، وتعرقل اليوم تشكيل الحكومة.

عندما يفرض التوافق فرضاً، تفقد الكلمة معناها ومضمونها، ويحق عندها تسمية الديموقراطية التوافقية، ديموقراطية الاكراه.
والتجارب السابقة عند كل الطوائف والمذاهب، اثبتت جميعها ان الاكراه في لبنان عمره قصير، وانه في النهاية لا يصحّ الا الصحيح.

المصدر:
الديار

خبر عاجل