#adsense

بول عنداري: من المدرسة الى الحرب

حجم الخط

بول عنداري: من المدرسة الى الحرب

هكذا فتحت عيني على ثورة داخلية في بلدي

من كتاب: “هذه شهادتي”

بين ثورة… وحرب

ليلة السابع من كانون الثاني 1958 كأنني كنت والثورة على موعد… فقد شاءت الأقدار ان أفتح عيني على الحياة قرب موقد في غرفة متواضعة تعاون والديّ على بنائها معا في عبدين. هذه السنة التي يعرفها الناس “سنة الثورة”، انتهت بإنزال عسكري أميركي على شواطئ لبنان.

دخلت وانا ابن خمس سنوات مدرسة طورزا وهي قرية مجاورة، فدأبنا مدى عشر سنوات على الذهاب إليها سيرا على الأقدام عبر الأحراج. ننتعل في الشتاء جزمة كاوتشوك، ونرتدي معطفا، ونسابق السيارات النادرة آنذاك، ونركض على الطرقات وفي الغابات تحت المطر والثلج، ونختبئ أحيانا في مغاور تجمدت فيها فراشات الصيف. وأذكر أنني كنت أحمل علبة عريضة من التنك مملوءة جمرا أضعها تحت قدمي أثناء الدرس اتقاء للبرد القارس إذ لم يكن ثمة وسيلة أخرى للتدفئة. في المساء كان والدي ينتظرني عند حافة الوادي فيحملني على خصره ويقطع بي مجرى النهر الذي كان الطريق الوحيدة الى بيتنا.

وكنت في غياب الكهرباء تلك الأيام، أحضر دروسي على ضوء سراج تطور فأضحى قنديلا. وانكب على كتابة فروضي بالريشة، وأجفف الحبر فوق القنديل فتصبح خطوطه زرقاء جميلة.

في غرفة واحدة كانت تنام العائلة بكاملها، تسعة أشخاص حول الموقد في الشتاء، وعلى السطح في الصيف. الغرفة الصغيرة كانت كل البيت ولكل شيء: الأكل والنوم والدرس، والاستحمام والصلاة، على الحائط  مذبح صغير وضعت عليه صور القديسين وباقات الزهر، يركع أمامه كل أفراد العائلة لتلاوة صلاة المساء وطلبة العذراء مريم أو قلب يسوع أو مار يوسف، ثم ننام على دويّ الرعد في الشتاء وعلى وميض البرق يضيء الغرفة عبر شباكها الوحيد…

وغالبا ما كنا نستيقظ لنجد الثلج وقد زنّر البيت حتى أعلاه… وقطعا بيضاء تتلاعب بها الرياح فتدور لتستقر على أغصان الصنوبر والشربين والزيتون، فيما كانت العصافير تكثر من زياراتها لشباك غرفتنا هاربة من البرد القارس مبللة الريش ولا سيما عصفور الثلج والدوري وأبو الحن.

وأما في الصيف فكنا نغدو مع الفجر الى الكرم، نقطف العنب والتين، والتفاح… إنه الموسم يبدأ في 6 آب عيد الرب وينتهي في تشرين، صناديق عنب كبيرة كانت تشحن كل يوم بالمئات الى طرابلس وغيرها أو الى زحلة لصناعة العرق.

أبي معلم عمار، يأتي في المساء أبيض أغبر. وكانت والدتي تغسل رجليه بالمياه الساخنة، وبعد العشاء كنا نسهر في المنزل مسرورين وأحيانا كثيرة كان أبي يذهب بعد عمله الى الحقل تحت ضوء القمر أو تحت عواصف الثلج، وقد حوّل براري كثيرة جلالا زرعها كروما تفيض بالخيرات، وفي الصيف كانت تترامى هنا وهناك حقول قمح بلون الذهب، كنا نشارك في حصادها ونسرّ بركوب النورج على البيدر يدور بنا على موجات من سنابل القمح ممزوجة برائحة الشمس والتبن.

في الربيع كنا نذهب الى فلاحة الأرض… عشرات الأجراس كانت تقرع ظهرا في القرى المجاورة زمن الصوم معلنة وقت الطعام وصلاة التبشير.

مستوى التعليم في المدرسة كان جيدا على رغم أنها للدولة، نبدأ صباحا “بصلاة الأبانا والسلام”، وفي المساء كان المدير “أنطوان الشع” يلاحق التلاميذ الى منازلهم ليتأكد من انصرافهم الى الدرس.

ومع الأيام اكتشفنا ان ما تعلمناه لم يكن هو الحقيقة، لقد علمونا تاريخ الأمم والشعوب جميعها ولم يعلمونا تاريخ لبنان الحقيقي…

كنا في المدرسة عام 67 عندما اندلعت الحرب بين إسرائيل والعرب. وما حفظته، بلاغات كانت تذاع عبر “إذاعة صوت العرب” من القاهرة: “قامت طائراتنا بغارات متتالية على العدو وكبدته خسائر فادحة وعادت جميع طائراتنا الى قواعدها سالمة”… وعندما كبرت وقرأت عن تلك الحرب، عرفت ان كل تلك الطائرات قد دمرت في مطاراتها قبل ان تستطيع الإقلاع.

آخر سنة في تلك المدرسة 1973 سمعت عن حرب بين الجيش اللبناني والفلسطينيين وكنا نتحمس طبعا للجيش ضد الفلسطينيين.

عشرة أعوام في مدرسة تلك الأيام القروية تشربنا فيها روح ومحبة العائلة المسيحية، والتجذر بالأرض، والتحصن بالأخلاق والعلم، وتعشق الحرية من دون فوضى و “نيال من لو فيك يا شمالي لبنان مرقد عنزتو”…

لم يكن في الجوار يومذاك مدرسة ثانوية، لذلك حملت حقائبي وقصدت ثانوية كفرحاتا في الكورة…

دخان المعامل في شكا يقذف به الهواء ناحية تلك المنطقة فتبدو طبيعتها داكنة كئيبة يزيد جوها الخانق اكفهرارا دخان تيارات سياسية اجتاح الناس، الناصرية، القومية السورية، والشيوعية والأحزاب اليسارية والمادية بكل أشكالها… من قرية الإيمان والصلاة الى غربة اجتماعية وسياسية وانحطاط أخلاقي أواجهه للمرة الأولى، ولا أذكر ان الثانوية أضربت يوما، إلا لسبب حدث عربي أو فلسطيني أو يساري. وكان يتبارى الخطباء في كلام تعرف أنه من كل مكان إلا من لبنان.

انقضت السنة، ومر الصيف، فحملت حقائبي هذه المرة الى زغرتا ودخلت مدرستها الثانونية. وسرعان ما اكتشفت ان أجواءها السياسية لا تختلف كثيرا عن كفرحاتا.

زغرتا من البلدات العريقة التي تعتبر عرين الموارنة وعلى الرغم من ذلك فقد فازت فيها الخلية الشيوعية، وكان يعتبر رجعيا من ينادي بلبنان اللبناني.

وأذكر انه كان الى جانبي في الصف صديق مسلم اسمه فوزي المير كان الأول في صفه، وكنا نذهب معا الى منزله في بلدة إيعال، حيث كان يقضي معظم وقته بين مئات الكتب في غرفته يقرأ فيها حتى الصباح فأحببته واحترمته.

في ربيع 75 قصدنا معا مدينة طرابلس يوم عيد المولد النبوي، فكانت الطرقات خالية من المارة وكان يسمع دوي انفجارات هنا وهناك ويافطات ضد المسيحيين، انعزاليون، استعماريون، تقسيميون، إمبراياليون، خونة، فاشيون… وعندما تكاثرت طلقات الرصاص، عدنا الى زغرتا، حيث وصلت أخبار تفيد ان المسلمين سيقومون بهجوم على القبة ومجدليا فتدافع الزغرتاويون رجالا ونساء ركضا على الطرقات وبالسيارات باتجاه القبة للدفاع عن المنطقة ورأيت يومها امرأة تركض حافية القدمين بيدها قنبلة لتشارك بالمقاومة.

خاف رفيقي فأبقيته عندي بعض الوقت ثم أوصلته الى منزله. ولم تمر أشهر قليلة  حتى غصت ثانوية زغرتا بمهجرين مسيحيين تعرضوا للمجازر في قراهم الآمنة وقتل منهم حتى الرهبان.

إنها الحرب بدأت فعليا في 13 نيسان 1975…

وهكذا فتحت عيني على ثورة داخلية في بلدي. وفي السابعة عشرة من عمري كنت وجها لوجه أمام حرب حقيقية أخذت من عمري وعمر لبنان ست عشرة سنة. لماذا؟ لأن لبنان “حقيقة لا ترحم” نهرب من الاعتراف بها فتصفعنا كل مرة بقساوة أكبر…

وأتساءل: ترى ألا تستحق الحياة الآمنة الحرة ان ننظر الى هذه الحقيقة ونعمل على هديها؟

ألا تكفينا أعوام الحرب الطويلة وما حملته من موت (1) ودمار وتهجير واحتلال؟

وأما “حقيقة لبنان” فهي:

أولا: ان لبنان بلد الأقليات الدينية، لجأت إليه جميعها طلبا للحرية، تتعايش على أرضه سبع عشرة طائفة لكل منها خصوصياتها وتتوزع بشكل أساسي على فريقين: المسيحيين والمسلمين.

ثانيا: المؤسف انه قد تم وضع نظام وإقامة دولة تتناقض مع طبيعة الكيان اللبناني، وتم تفصيل ثوب لم يكن على قياس الواقع اللبناني فتمزق هذا الثوب وأصبحنا عراة أمام عواصف الشتاء وأمام الرياح التي هبّت علينا من الصحراء والجهات الأربع، فسقطت الدولة وسقط معها كل شيء.

ثالثا: ان لبنان والحرية صنوان… فعند المساس بحرية الوجود سواء في الداخل أو في الخارج فلا بد عندئذ من اندلاع الحرب. وبكل بساطة هناك من يطمع دائما بلبنان عبر التاريخ بسبب موقعه الجغرافي والسياسي. أحيانا المماليك أو العثمانيون أو المصريون وأحيانا الفلسطينيون والإسرائيليون والسوريون.

كلهم حاربونا إما تحت شعار العروبة وإما تحت شعار التاريخ والجغرافية والأمن الاستراتيجي والأخوة والعلاقات المميزة وتصدير الثورة…

“أجل إننا نبقى مختلفين في ما يتعلق بالخيار الاجتماعي والمعتقدات الدينية والقناعات الإيديولوجية وأسلوب الحياة وبالطبع فسيظل هذا الاختلاف قائما. ولكن ما الضير من ذلك؟ هل ننتحر بسبب هذا الاختلاف؟ أليس من الأصح ان نتجاوز ما يفرقنا في سبيل المصالح المشتركة ومن أجل الحياة على الأرض” ؟ (1)

وهذا لسان حالنا نحن في لبنان وهذا واقعنا أيضا ولا نريد ان ننتحر بسبب اختلاف بعضنا مع البعض الآخر، بل نريد الحرية لجميع العائلات اللبنانية بدون استثناء مسلمين ومسيحيين.

“إن الأساس المبدئي للأمن في عصرنا هو الاعتراف بحق كل شعب في اختيار تطوره الاجتماعي بحرية الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى” (2) وهذا ما نريده في لبنان تماما ولا شيء آخر..

إن في لبنان بكل وضوح مشكلة حرية ومشكلة سيادة.

الانطلاقة الأولى

بوسطة عين الرمانة.. أو قل هو القطار الأسود يُقل اللاعبين، ويمر من هناك بحديده وناره ودخانه وصفاراته الناعبة المنذرة بالخطر الكبير…

… كانت شرارة الحرب الشهيرة في 13 نيسان في عين الرمانة، فتركت المدرسة في زغرتا وبدأت أتتبع أخبار الجولات العسكرية وما يتخللها من أنباء الخطف والقتل، وبدا نوع جديد من الحياة لم نتعود عليه سابقا: إنه الفراغ والقلق الكبير.

في أواخر صيف 75 حملت حقائبي وذهبت مع اثنين من أقاربي هما شربل العلم وسامي ساسين، الذي اغتيل في ما بعد في طرابلس، الى مخيم للتدريب العسكري أقامه السيد سليم كرم في كرم سدة فوق تلة مار جرجس. وكان يضم حوالي خمسين عنصرا بينهم عشر فتيات، يشرف على تدريبهم الكتائبيان أنيس كرم من عبيدات وإدوار نصار من دير شمرا قضاء المتن.

تدربنا بشكل أولي على استعمال السلاح الخفيف وقمنا ببعض التمارين الرياضية وتعلمنا طريقة التحرك في أرض المعركة وتدربنا على الرماية بالذخيرة الحية. ذات يوم أقبل سليم كرم فاستعرضنا في صف منتظم، وراح يتطلع في عيوننا ليختار منا من يصلح للقتال وكنت في أول مجموعة انطلقت الى إهدن، حيث تسلمنا سلاحا، أحدنا كان سلاحه رشاشا صينيا من طراز (ماو ماو) قفز به من السيارة، فانطلق منه الرصاص من دون ان يضغط على الزناد فضحك الجميع. ثم توجهنا الى القبة مدخل طرابلس الشرقي لجهة زغرتا، تلك الليلة كانت الجبهة هادئة على غير عادة.

في نهاية التدريبات العسكرية جمعنا المدرب أنيس كرم في خيمة وقال لنا: “يجب ان نكون شرفاء في هذه الحرب التي فرضت علينا فلا نقتل أسيرا ولو كان فلسطينيا”.

وتعممت خطوة مخيمات التدريب على كل المناطق المسيحية لمواجهة الحرب الشرسة ضدها. وأهم هذه المخيمات في الشمال مخيم “بللا” قضاء بشري، حيث تجري التدريبات في نهاية كل أسبوع من شهر تموز، واختتمت بدورة مكثفة على مدى خمسة عشر يوما متواصلا وتخرج في نهايتها نحو 350 مقاتلا من منطقة الشمال. وبرزت في المخيم مجموعة كومندوس من بلدة بشري مع سمير جعجع الذي قاد بعد ثلاث سنوات معركة قاسية في المكان عينه ضد الجيش السوري وكانت الأولى من نوعها. وأقيمت أيضا مخيمات مماثلة لتدريب الشبان المسيحيين في طبرية كسروان وبنشعي في قضاء زغرتا وغيرهما.

وفي المقابل أقام الفريق الإسلامي – اليساري – الفلسطيني مخيمات لتدريب عناصره في مناطق عدة من لبنان. فالحزب السوري القومي أقام مخيما له في بطرام قضاء الكورة، وأقامت حركة أمل مخيما لها في منطقة بعلبك حيث انفجرت قذيفة خطأ أثناء التدريب في السادس من تموز 1975 وأدت الى سقوط نحو مئة وأربعين بين قتيل وجريح، ونشط الفلسطينيون في تدريب مسلحي “حركة 24 تشرين” التي يتزعمها السيد فاروق المقدم في مخيمي “البارد” و “البداوي” شمال مدينة طرابلس، ومسلحي “المرابطون” بزعامة السيد ابراهيم قليلات في مخيمي صبرا وشاتيلا في المنطقة الغربية، وكذلك كان الأمر في عكار، وفي الجنوب حيث التنظيم الشعبي الناصري بقيادة المهندس مصطفى سعد إضافة الى الدروز في الجبل.

بدأت حياتي العسكرية في تلك الفترة مثل غالبية الشبان المسيحيين، فمنهم من تدرب بشكل فردي أو مع تجمع عائلي أو مناطقي معين ثم مع “الكتائب” أو “الأحرار” ثم في “القوات اللبنانية” ومنهم مثلا الرفيق نعمة الله القاعي المعروف بـ “نانو” الذي يقول عن تلك الفترة:

“تم استدعاؤنا في 2 تموز 1974 لتأدية خدمة العلم وتبلغت أمر إلحاقي بثكنة صيدا، كنت أتعامل مع رفاقي الاحتياطيين من منظار الأخوة اللبنانية والمصير المشترك بغض النظر عن انتمائهم الحزبي أو الطائفي، متخذا من شعار الجيش مثالا أعلى “شرف، تضحية، وفاء”.

وبدأ الصراع بين الجيش والفلسطينيين. فأقام هؤلاء الحواجز وخطفوا عناصر من الجيش ومدنيين مسيحيين، ومما زاد في الطين بلّة ان مذكرات خدمة كانت ترد الى ثكنة صيدا وفيها: “يمنع على العسكريين التجول في شوارع صيدا الداخلية باللباس العسكري”. كل هذا كان كافيا لأثور على شعاراتنا الزائفة، وكنت دائما أتساءل: “لماذا لا يكون لنا جيش قوي؟ ولماذا يقولون عن المسيحي في الدول العربية إنه كافر وفي أوروبا يقولون له انت عربي إرهابي؟!”.

ويتابع القاعي: “قبل ثلاثة أشهر من نهاية خدمتي العسكرية. كنت قد ألحقت في عديد كتيبة المشاة الثالثة في صربا وكان دور الكتيبة للخدمة في جنوب لبنان لمدة ثلاثة أشهر في ربيع 1975، وكانت المناوشات قد بدأت بين الكتائب والفلسطينيين في عين الرمانة وتل الزعتر والنبعة والكرنتينا وأخذت الأحداث تتخذ منحاها الطائفي الواضح. ومع رفض الرئيس كرامي إنزال الجيش لحسم الموقف بدأت بنية الجيش تتآكل من الداخل. في هذه الأجواء المتأزمة توجهت كتيبتنا الى الجنوب، وعندما وصلت الى ساحة صيدا شاهدت الفلسطينيين يتجولون ببزاتهم العسكرية وينظرون إلينا بعيون حاقدة، فيما زملاؤنا المسلمون في الشاحنة يرسمون لهم بأصابعهم إشارة النصر. ولفتت انتباهي يافطة كبيرة في ساحة صيدا كتب عليها “لا للجيش نعم للمقاومة”. وبعدما أنهيت خدمة العلم سرحت من الجيش في 13/7/1975 وبدأت العمل في نطاق المقاومة”.

هوامش:

  • غورباتشوف ، بروسترويكا ،  ص: 197
  • المصدر نفسه:  ص 203
  • تسلم مسؤوليات عسكرية متعددة في القوات اللبنانية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل