#adsense

نحو “دوحة حكومية” ؟

حجم الخط

نحو "دوحة حكومية" ؟

تستحضر "ديبلوماسية الصمت" التي اعتمدت كوسيلة أخيرة حاسمة بين المتفاوضين على آخر أشواط استيلاد الحكومة اللحظة إياها التي دفعت بتسوية الدوحة الى النور والإبرام والتنفيذ. ولا يتصل الأمر بالشكل فقط بل بما هو أخطر اي المضمون السياسي للتسوية الحكومية ومفاعيلها اللاحقة.

في الدوحة أيضاً كان الفراغ الرئاسي قد بلغ حداً متمادياً جعل العالم ورموزه الغربيين والعرب المؤثرين في الوضع اللبناني يسلم بأمر واقع قاهر على حساب النظام والأصول الدستورية. وتبدو اللحظة الراهنة التي يطلق معها العدّ العكسي لوضع حدّ للأزمة الحكومية اشبه بالدفع نحو تكريس "دوحة حكومية" ان قيض لها ان تضع الاطار "الشرعي" الأخير للحكومة فانها آيلة الى التمديد لزمن الدوحة كأن لا انتخابات نيابية فصلت ما بين قبل 7 حزيران وبعده. ذلك ان حكومة "القديم على قدمه" ما كانت لتشكل تطوراً سلبياً في سياق تغيير حكومي وسياسي تمليه ظروف متغيرة معينة داخلية او خارجية خارج اطار استحقاق ديموقراطي كالانتخابات النيابية. اما اعتماد هذا المبدأ بعد الانتخابات وبعد مماحكات طويلة مضنية طوال أكثر من اربعة اشهر لترسو التركيبة الهجينة على هذه القاعدة فلن يثير أقل من الإحباط التام لكل الإمكانات المتبقية للدفاع عن فلول النظام المتهالك تحت وطأة الضربات المتعاقبة والتنازلات "فوق العادية" تارة بفعل أمر قاهر معارض وطوراً بفعل ضعف بنيوي أكثري.

بطبيعة الحال لا يمكن إغفال البعد الايجابي المهم لولادة الحكومة الجديدة في لبنان في لحظة احتدام أقليمي عابر لمعظم بقع التوتر في المنطقة ومهدد بانعكاسات خطيرة على لبنان. فهذا البعد يتجاوز بأهميته "التوافق" الداخلي او الاطار الجديد القديم المرتقب لما يسمى "التوافقية"، لأن تشكيل الحكومة بذاته وفي توقيته سيكون بمثابة حزام أمان بالحد الأدنى أقله على المستوى الإقليمي.

ومع ذلك لن يمنع هذا البعد الايجابي تدفق مدّ كبير لحسابات الربح والخسارة في العمق السياسي الداخلي، تماماً على ما حصل بعد الدوحة.
في تلك التسوية كانت مبررات تنازل الغالبية اشد تماسكاً وأكثر عقلانية وواقعية منها الى الاحتمال الذي قد يبرز في اللحظة الحكومية الآتية ان تمكنت المعارضة من فرض قاعدة "القديم على قدمه" من دون تعديلات جوهرية حقيقية تحترم في الحد الادنى نتائج الانتخابات. ولعلها ستكون اسوأ المنقلبات والمفاوضات ان يجري الاجهاز على خط الدفاع الأخير عن جوهر النظام ان سلمت الغالبية بلا غالبيتها وان تراءى للمعارضة انها منتصرة بتحولها الى سلطة أمر قاهر. في مثل هذه الحال يتعين على الغالبية ان تبحث عن تسمية جديدة لها، فيما يفترض بالمعارضة ان تكف عن تصديق اسطورة تسميتها كمعارضة. لا أكثرية ولا أقلية في معادلة كهذه، بل وجهان لعملة سلطوية واحدة في الشكل ومتحاربة في المضمون والمشروع، مما يعني حكومة عرضة في اي لحظة ومع أي مشروع وخطوة لتمديد الصراع من الداخل الى لا أمد ولا أجل ولا أفق.

لعل لبنان لم يعد يحكم إلا بكل استثنائي شاذ، وكل كلام عن الأصول هو خارج الأصول والقواعد الرائجة. ولعل العالم اعتاد التسليم بقاعدة الإقرار بنتائج كل فراغ سلطوي او تشريعي غالباً ما تأتي مطابقة تماماً "للأهداف العليا" لمفتعليه، وليس أدلّ على ذلك من تفريغ لبنان من نظامه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل