#adsense

سجون وساحات ــ المحامي روبير توما: لم يكن بإمكانهم الحكم بالإعدام

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1468

رئيس مصلحة المهن القانونية في حزب “القوات اللبنانية” حالياً، سابقًا كان من بين الـ127 محامياً الذين حملوا “روب” العدالة ومشوا في التظاهرة التاريخية الى قصر العدل للدفاع عن الدكتور سمير جعجع. “لم يكن موقعي متقدماً بين محامي الدفاع” يوضح واصفاً دوره في تلك الحقبة المجيدة من النضال “القواتي”، لكنه كان مستعداً لتأدية اي مهمة تطلب منه في لبنان وفي الخارج، على رغم أنه لم يعرف لا “القوات اللبنانية” ولا الدكتور جعجع الا من خلال زيارة له مع وفد من بلدته “الفوارة” الى غدراس على أثر قرار العودة الى الجبل. وكان ما كان وبدأ مشوار المقاومة على طريقة المحامي روبير توما، بخطوات هادئة، لكن ثابتة. مبتسماً يستعيد صفحات من الذاكرة كتبت بحبر المقاومة القانونية التي يبرع بها.

“إنتسبت فعلياً الى “القوات اللبنانية” في 21 نيسان من العام 1994، قبل ذلك لم أكن ملتزماً في صفوف “القوات”. هذا الانتساب جاء على إثر توقيف الدكتور سمير جعجع واعتقاله، ونتيجة لثورتي على فكرة محاكمة الدكتور جعجع دون غيره من المسؤولين السياسيين آنذاك”.

كان ما زال متدرجاً في تلك الحقبة من زمن المقاومة بوجهها الجديد، مقاومة اضطهاد النظام الأمني الذي كانت تديره سلطة الوصاية السورية. الأستاذ روبير كان يتحضّر للمرور الى درجة الاستئناف في المهنة، ومن خلال أصدقائه المحامين “القواتيين” بدأ التزامه بقضية اعتبرها قضية حق، ويتابع استحضار محطات من تلك التجربة يقول “كان لي شرف أن أكون من بين الـ 127 محامياً الذين توكلوا عن الدكتور جعجع من الجلسة الأولى. لا أنسى صورة الارهاب الذي مورس علينا والذي سيطر على المحكمة، التي لم تكن قاعة محكمة بل حولوها الى ثكنة عسكرية مع الاجراءات الأمنية المشدّدة. تقابلها صورة رائعة تجسّدت لحظة توجّه المحامين مشيًا من أمام مكتب النقيب عصام كرم الى قصر العدل بالروبات السود! كان مشهداً غير مسبوق في تاريخ لبنان ونقابة المحامين، احتار المسؤولون عن الأمن في كيفية التعامل معه. حتى أن الرفاق الذين كانوا معتقلين مع الدكتور جعجع ويحاكمون معه توقعوا أن يحضر الى المحكمة بين 10 الى 15 محاميًا الا أن 127 محامياً توكلوا في قضية واحدة، فكانت صورة تعكس حجم القضية التي دخل بسببها الدكتور جعجع الى المعتقل، والمجتمع الملتزم بها والشعب الذي آمن بقدسيتها. وأنا من هذا المنطلق تواصلت مع المحامين وكان لي الشرف أن أكون بينهم للدفاع عن الحكيم”.

التضييق الذي تعرّضت له “القوات اللبنانية” والحصار الإعلامي وقرار إلغاء الحزب وخنق المناطق المسيحية… كلها أسباب دفعته للمشاركة بتحركات استنكار كانت تقوم باتجاه بكركي، لتتوج بانضمامه للمحامين الموكلين للدفاع عن الدكتور جعجع، ولو بمجرد المشاركة والتأييد والدعم والالتزام. يقول “لأن دوري في الحقيقة لم يكن كبيرًا كوني كنت في مرحلة الانتقال الى الاستئناف وكان هناك جهابذة في القانون يتولون مهمة الترافع عن الحكيم والتعمّق في الملفات، لا أدّعي دوراً كبيراً إنما حضورنا كان داعماً. لا يمكن ان أنسى لحظة اللقاء الأولى بالدكتور جعجع في قاعة المحكمة، كيف علا التصفيق، وعندما سأله القاضي عن اسمه رد: سمير فريد جعجع، ومن ثم سأله عن مكان اقامته فرد: في السجن! فحصل هرج ومرج تبعه استنفار عسكري في القاعة. حاول النظام الأمني أن يوحي يومذاك ان المحاكمة شريفة وقضائية بامتياز لتغطية قرار التصفية السياسية الذي اتخذ بحق جعجع. ومع القرار الظني الذي حبكوه بطريقة مذهلة نجحوا بالشكل لكنهم فشلوا بالمضمون. واجهوا ثغرات قانونية كبرى لا سيما طريقة تشريع سجن وزارة الدفاع. لو كانت هناك عدالة حقيقية لأبطلت كل المحاكمات والتحقيقات التي سبقت هذا التشريع، ولو كانت لدينا محكمة عادلة وحرّة لأبطلت كل ذلك، فما بني على باطل هو باطل. فعلى سبيل المثال، عندما يتولى المجلس العدلي أي قضية يمنع على أي جهاز مخابراتي او امني او عسكري ان يتدخل الا باشراف هذه المحكمة، مع ذلك طالما حضر شهود الى المحكمة وشهدوا أنهم استدعيوا الى وزارة الدفاع للتحقيق معهم قبل أن يمثلوا أمام المحكمة، واستنجدوا بالمحكمة لتحميهم من ضغوط الأجهزة الأمنية التي كانت تابعة لنظام الوصاية السوري آنذاك، ولا أنسى أحدهم عندما مَثُل أمام رئيس المجلس العدلي القاضي فيليب خيرلله وصرخ مع بداية إفادته “دخيلكون احموني”!

كان الأستاذ من ضمن خلية المحامين التي كانت تعمل على مختلف الملفات التي فتحت وفُبركت للنيل من موقع الدكتور جعجع السياسي وتدمير صورته أمام المجتمع المسيحي. ويكمل في استذكار ملاحظات لم تفارقه مذاك يقول “لم تبق في ذاكرتي الا صورة سيئة للبنان وللقضاء، وهي التي أدت الى إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ولو لم يفلحوا في استغلال القضاء على ذاك النحو برأيي لما حصلت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكل الشهداء من بعده. كثر من القضاة هُدّدوا وتنحوا وكثر غيرهم تعرضوا للضغوط، أحدهم قال لي أثناء محاكمة الدكتور سمير جعجع في ملف الياس الزايك “أنا متأكد أن لا علاقة للدكتور جعجع بمقتل الزايك لكن ما كنا قادرين نعمل شي بفترتها…”!! بعدها أخبرت الدكتور جعجع بتفاصيل حديثنا كاملة”.

لم يتسن له زيارة الحكيم في معتقله في وزارة الدفاع إلا مرتين وفي إطار زيارات المحامين العادية، ومع ذلك كان يعيش معه أيام النضال لحظة بلحظة. وعندما جلس مع المحامين ينتظر النطق بالحكم في قضية كنيسة سيدة النجاة لم تحمله أعصابه ليتم الأمر فانسحب من قاعة المحكمة لأنه أحس بقلبه يسحب من بين ضلوعه. ويكمل “بعد الحكم الظالم في قضية الشهيد داني شمعون توقعت ان يكون الحكم في قضية سيدة النجاة مشابهاً، خصوصاً بعد المقدمة التي باشروا الجلسة بها وحيثيات الحكم التي ظهرت وكأننا أمام حكم مماثل، لذا عندما سمعت الحكم بالبراءة فوجئت فعلًا. وهنا أقرّ أن سلطة الوصاية لم تتمكن من إخضاع القضاء الى درجة إصدار حكم بالإعدام يمكنهم من تصفية الدكتور جعجع جسديًا كما حاولوا سياسياً. وبرأيي حتى هم لم يكن بامكانهم تحمّل تداعيات إصدار هكذا حكم في حق الدكتور جعجع”.

ويتابع: “أذكر أننا عندما جلسنا مع السيدة ستريدا بعد صدور حكم البراءة رحنا نضحك ونقول “ما كان لازم حدا يترافع عن الحكيم لأنو لما ترافع عن نفسو أخد براءة ولما ترافعوا عنو المحامين أخد مؤبد”!!. وأعتقد أن شهادة الأب ميشال عويط في المحكمة باسم بكركي والبطريرك مار نصرلله صفير والتي كانت حاسمة قال فيها ما معناه “أشك ان ابن الكنيسة يُقدم على هكذا عمل”، شهادة شكلت فارقاً كبيراً وتحوّلًا في مسار المحاكمة التي إنكشفت أنها محاكمة سياسية بامتياز”. وهو قالها في الجلسة الأولى “أدخلت بقرار سياسي وسأخرج بقرار سياسي” وهكذا كان ولو بعد 11 عاماً وأشهراً. إيمانه كان أكبر من إيماننا جميعاً، أذكر أن أحد المحامين في حزب “الوطنيين الأحرار” الذين كانوا متعاطفين معنا ويدركون حجم المؤامرة على “القوات” وقائدها قال لي “دخل الدكتور جعجع الى السجن ولن يخرج منه إلا جثة هامدة”. هذه الجملة تصف الغاية من كل تلك المحاكمات الشكلية”.

بعد انتهاء المحاكمات وصدور الأحكام فيها انتقل نشاط الأستاذ روبير من المساعدة في الملفات الاتهامية الى العمل النقابي داخل نقابة المحامين، وذلك بعد ان تأسست نواة من محامي “القوات” من بين الـ127 محامياً الذين توكلوا عن الحكيم. ويوضح “شكلنا مجموعة نقابية لمواجهة الضغوط التي كان يتعرض لها المحامون وحاولنا أن نحميهم من خلال النقابة ومجلسها. ومن ثم تحوّل هذا اللوبي الى قوة انتخابية أكملت الطريق. وكانت أول معركة لنا لإيصال الدكتور إدمون نعيم الى النقابة، ومن ثم خضنا معركة الأستاذ الياس حنا والنقيب أنطوان قليموس… واللائحة تطول كل سنة مع الحجم المتنامي لحزب “القوات اللبنانية” بين المحامين في بيروت والشمال على السواء”.

عشرون عاماً مضت وقع خلالها الكثير من أوراق الذاكرة على الطريق، لكن اختباره الأهم يؤكد توما أنه اختار صف الحق والحقيقة وكان متأهباً دائماً لمقاومة مشروع تدجين العدالة والقضاء اللبناني لمصلحة نظام الوصاية السوري، فساهم “على قدّه” كما يقول في كسر أصفاد السجن الكبير الذي وضع فيه المسيحيون كما وضع قائدهم في السجن الصغير طيلة 11 عاماً ونيف.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل