
عرف العالم الحديث أهمية عدم ضرب الأبناء وتعنيفهم لحثّهم على الدرس، أو لمعاقبتهم على تقصير في المدرسة أو تراجع في العلامات. في اليوم العالمي لمكافحة العنف في التعليم الذي يصادف في 30 نيسان، تؤكّد دراسات وبحوث عدة الآثار السلبية للضرب في نفسية الطفل، أي رجل وامرأة الغد. ويحذّر الاخصائيون من عواقب ضرب الطفل، لأنّ الأولاد المُعنَّفين يصبحون أكثر عدوانية داخل البيت وخارجه.
«لكُم اللحم ولنا العظم»، مقولة، منذ عشرات السنين، كانت لا تفارق لسان أيّ أب وأم هدفا إلى تعليم أولادهما، ولطالما كانا يوصيان الأستاذ في المدرسة بضرب فلذات أكبادهم في سبيل تعليمهم.
هذه العبارة التي تداولتها الأجيال تعبّر عن مدى استعداد الأهل في السابق لضرب أبنائهم، فهم لم يضربوهم بأنفسهم وحسب بل كانوا يوصون الأساتذة بتعنيفهم أيضاً.
وعلماً أنّ الهدف كان نبيلاً وهو تعليمهم أو تهذيبهم والضغط عليهم للتخلّي عن بعض العادات السيّئة، إلّا أنّ الغاية لا تبرّر الوسيلة، وتصرّف الأهل العدائي قد لا يحقّق لهم النتيجة المرجوّة.
حظر الضرب
كان قانون العقوبات اللبناني يبيح في المادة 186، العقاب البدني للأطفال في المدارس وفي نطاق الأسرة لغاية العام 2014. قيام بعض المعلّمين والمدراء في القطاع التربوي بضرب تلاميذهم، وانتشار بعض الحوادث في الإعلام دفع مجلس النواب إلى تعديل المادة 186، وحظّر على المعلّمين استعمال الضرب لتأديب الأطفال، كما حصر ضروب التأديب غير العنفي بالآباء والأمهات شرط أن لا تترك أيّ أثر على صحّتهم الجسديّة والنفسيّة.
إلى ذلك، تؤكّد كريستال الأستاذة في مادة الرياضيات لـ «الجمهورية» أنّ العنف ممنوع في المدارس اللبنانية، وأنّ مدارس عدة تكتفي بإفهام الطفل أخطاءه، فإن «لم يُنجز فروضه المدرسية تطلب منه المعلمة إنجازها ليوم الغد، أمّا إذا خرق قوانين المدرسة فتكتب الإدارة ملاحظة لأهله بهدف إعلامهم».
ولكن تلاحظ كريستال أنّ الضرب والعنف ما زالا يشكّلان حيّزاً من لغة تعامل الأهل مع أبنائهم. وتنقل أنّ يومياتها الطويلة مع الأولاد على مدى سنوات أمضتها في التعليم كشفت لها العديد من حالات العنف الممارس ضد التلاميذ في منازلهم، كما التقت بأهل يعترفون صراحةً بأنّهم يضربون ولدهم في حال قصّر في واجباته المدرسية أو لم يحقّق نسبة نجاح جيدة.
وتشدّد على أنّ «الأولاد المُعنّفين في منازلهم غالباً ما يتميّزون عن غيرهم بفرط الحركة، أضف إلى أنهم يسجّلون ردّات فعل قوية جداً في المدرسة فيكونون أكثر عدائية وقد يقومون بضرب التلاميذ الآخرين»، وتضيف: «كما يُعامَل الولد هكذا يَتعامل».
العنف يؤدّي إلى العنف
يمنع العنف الجسدي الطفل من تعلّم فضّ النزاعات بطريقة فعّالة وحسّاسة. ويرسل العقاب من خلال العنف الجسدي رسالة خطيرة إلى الطفل مفادها أنّ القوة وسيلة لتحصيل الحقوق. ويعتقد الطفل الذي يُضرب من قبل أهله أنّه من المقبول أن نضرب شخصاً ما، طالما أنه أصغر أو أضعف منّا، ما يدفع الطفل إلى الإساءة للأطفال الأصغر سنّاً.
وتشير الأخصائية في علم النفس العيادي جوزيان حدّاد جابر لـ«الجمهورية» إلى أنّ «الولد العنيف في المدرسة يعبّر من خلال سلوكه العنفي عن حال يعيشها، وربّما عن العنف ضدّه أثناء التعليم. فتعنيف الولد من قبل الأهل قد يدفعه إلى ضرب التلاميذ الآخرين».
ولكن تذهب حدّاد إلى أبعد من ذلك، فتعدّد أسباباً أخرى تدفع الولد إلى اعتماد العنف مع أقرانه، ومن بينها: «عدم وجود رادع لديه فهو معتاد أن يفعل ما يشاء، وتعنيف الأهل لبعضهم في المنزل».
تلفت حداّد إلى أنّ «ضرب الطفل لإرغامه على التعليم سيحوّل وقت الدرس إلى فترة يشعر خلالها بالقلق، ما سيدفعه إلى تفاديها. وسيدخل الأهل بحلقة مفرغة مع الطفل، فلأنهم يضربونه لم يعد يريد الدرس أبداً ما سيحثهم إلى استعمال الضرب أكثر فأكثر لإخضاعه».
البحث عن الأسباب
وتشدّد حدّاد على أنه «لا يجوز أبداً ضرب الطفل لحثّه على الدرس، فهو سيربط الدرس بفكرة سيّئة ومؤذية بالنسبة له، ما سيجعله يكره العِلم». وتدعو الأهل إلى تفادي المشكلات خلال تدريس أبنائهم، من خلال إتّباع أساليب تحفيزية وتنظيمية، ومنها وضع برنامج للطفل يُعلَّق على الحائط ويقسِّم وقته بعد الظهر، كما يلحظ أوقات استراحة.
وفي حال إصرار الولد على عدم الدرس، تحثّ الأخصائية النفسية الأهل على مراقبة الحالة التي دفعتهم إلى تعنيفه، والأسباب التي تجعله يهرب من التعلّم، ومنها:
• قيام الأم بتدريس الولد بعد يوم شاق أمضته في العمل، ما يجعلها مرهقة ومتوتّرة وغير قادرة على تحمّله.
• التأكّد من أنه لا يعاني من عدم القدرة على الإستيعاب بسبب استعمال الأهل أو الأستاذ في البيت طرق تدريسية تختلف عن تلك المتّبعة في المدرسة.
• صعوبات تمنعه من التعلّم كمشكلات الذاكرة ونقص التركيز. وتلفت الأخصائية النفسية إلى أنّ معاناة الولد من اضطرابات سلوكية أو نقص في التركيز قد تنتج عن عدم قدرته على التعبير بالكلام عمّا يزعجه بسبب صغر سنّه، فيعبّر بسلوكه.
ربّما يشعر الولد بالانزعاج من وضع ما، أو بألم أو قلق ويعبّر عن حالته من خلال رفض الدرس. ومن أسباب القلق: قلق من أحداث في المدرسة، أو من وضع في البيت مثلاً في حال كانت علاقة الوالدين مع بعضهما البعض متوترة، غيرة مفرطة من أخ أصغر منه أو علاقة غير جيدة مع أمه.
تربية عنفيّة
يتألّف العنف في التعليم من العنف الجسدي والنفسي واللفظي، ويشمل الضرب وحتّى القصاصات وأنواع الابتزاز التي تمارس ضدّ الأولاد. لينا لا تضرب ابنها، إنّما تهدّده بكلّ ما يحبّ أو يتمنّى، في سبيل حثّه على الدرس: «إن لم تحصل على أعلى علامة في الصفّ لن آخذك إلى السينما، في حال لم تقرأ هذا الكتاب لن تخرج إلى عيد صديقك غداً…»، ويحضر التخويف أيضاً: «إن لم تدرس سأضربك»، ففي عالم الدرس القاسي التهديدات لا تنتهي.
وفي هذا السياق تشير حدّاد إلى أهمية أن يكون القصاص بنّاءً، «لا نقاصص الولد لأنه لم يستوعب الدرس مثلاً بل نقاصصه على سلوكياته المزعجة في حال لم يسمع كلمة أهله».
وتؤكّد أنّ «القصاص لا يجب أن يكون مؤذياً كإجباره على النوم جائعاً أو كتابة فرضه 5 مرات، بل نحرمه من شيء يحبّه مثل الـ «ipad» وذلك لفترة قصيرة لا تتعدّى اليوم الواحد لأنّ حرمانه من ما يحبه لفترة طويلة يفقده الأمل في استرجاعه قريباً ويدفعه إلى تكرار سلوكه السيّئ».
تزعزع العلاقة مع الأهل
يُذكر أنّ العقاب العنفي يضرب العلاقة بين الأهل والطفل لأننا بطبيعتنا البشرية لا نحبّ مَن يؤذينا. فروح التعاون بين الأهل والأبناء لا يمكن أن تتبلور إلّا عبر روابط قوية مرتكزة على المشاعر المتبادلة للحبّ والاحترام.
أسرار الطفل المعنَّف
• يشير علماء النفس إلى أنّ الطفل المُعنَّف قد لا يتمكّن من الشعور بالرحمة تجاه الأشخاص الأضعف منه عندما يكبر، كما أنه سيَخشى في المقابل الأشخاص الأكثر قوة، ما سيعرقل إنشاءه علاقات ناجحة في حياته مبنيّة على العواطف وعلى الثقة المتبادلة مع الأشخاص.
• يمكن أن يتحوّل الطفل المُعنَّف في صغره إلى مراهق عنيف. فهو سيراكم الشعور السلبي جراء الضرب ويكبته، وقد يفجّره عندما يشعر أنه كبر كفاية وبات قادراً على التعبير عن سخطه وعلى فعل ما يحلو له دون أن يخاف من ردة فعل أهله.