ويبقى الدستور هو الحل
المحامي جورج ابو صعب
كنا ولا نزال وسنبقى نعتبر ان الدستور هو الحل الوحيد لمعضلة تأليف الحكومة، وقد تابعنا كا المحاولات البناءة للرئيس المكلف طوال الاشهر الاخيرة وكانت كلها تنطلق من الحرص على مشاركة الجميع في حكم البلد. مع اننا لا نزال نتعجب من ان شعار المشاركة هذه لم تكن لتكون بنفس الحدة لو فازت قوى 8 اذار في الانتخابات النيابية الاخيرة. وقد عشنا طوال سنوات الوصاية السورية ما يمكن اعتباره نموذج " المشاركة الوطنية " لو انتصرت تلك القوى .
ومع ذلك نستفيق اليوم على معلومات وتحاليل تجمع كلها على جمود وتعقيدات في حركة الاتصالات اثر رفض العماد عون الصيغة الاخيرة التي عرضها عليه الرئيس الحريري، ونسأل : الى اين يأخذنا العماد عون وحلفائه ؟
فاذا كانوا يعتبرون انفسهم ديمقراطيين، فقد سقطت مقولتهم بفعل ممارساتهم لان من يريد ان يكون ديمقراطيا ويعطي الدروس في الاصلاح الديمقراطي والتغيير الديمقراطي حري به ان يبدأ بنفسه في تطبيق تلك الديمقراطية بالقبول بنتائج انتخابات نيابية شهد الكل من الداخل والخارج على نزاهتها ونجاحها .
واذا كانوا لبنانيين مئة بالمئة فالحري بهم ان يلتفتوا الى مصلحة لبنان اولا واخيرا قبل اية مصالح اخرى لحليف في الداخل او حليف في الخارج. وقد بات من شبه الواضح والمؤكد ان تقلبات العماد عون في مواقفه من عروض الرئيس المكلف، تلك العروض التي رضي عنها الرئيس بري شخصيا الى جانب رئيس الجمهورية بوصفها بالعادلة والمتوازنة، تخفي حقيقة عرقلة ايرانية يتولاها العماد عون بالنيابة عن حزب الله.
واذا كانوا يعتبرون انفسهم في معركة من اجل اصلاح النظام وتعديل الدستور فان لمثل هذا الاصلاح ولمثل هذا التعديل مقوماته وظروفه واجواؤه المعبدة للطريق والتي لا تصب تصرفات ومواقف عون وحلفائه في خانتها بالتأكيد.
وبالتالي سقطت مقولة العماد عون بان ما يفعله يفعله من أجل لبنان لان حقيقة ما يفعله ابعد ما يكون عن ما يريده لبنان واللبنانيون وعن ما يخدم لبنان، وقد تجاوز الخطوط الحمر واسقط بتعنته كافة المحرمات والمقدسات التي ارست منذ فجر الاستقلال دعائم وركائز لبنان الحديث. بل هو الاول بين اقرانه الذي يخدم ما يريده الايراني ومن بعده السوري، ان لم نقل قبله.
وعليه، فان الاوان قد آن ليمسك رئيسا الجمهورية والحكومة المكلف بسيف الدستور وان يوقعا مراسيم حكومة الوحدة الوطنية، وليتركا للتاريخ ان يراقب ويحاسب المعارضين والمعترضين.
نقول هذا الكلام لا من باب التحدي، بل من باب ترسخ ايماننا بثقافتنا القانونية والدستورية والديمقراطية التي تؤمن ايمانا مطلقا ان في الشأن العام ليس هناك دائما تساو في الربح ولا تساو في الخسارة. بل هناك قواعد وشروط لا بد منها للحفاظ على نظام ديمقراطي برلماني حر مبني على فصل السلطات وتعاونها وعلى حكم الاكثرية للاقلية والموالاة للمعارضة، لا على التعايش الجهنمي بينهما على قاعدة التقاء الاضداد والنفيان اللذين لا يؤلفان حكومة ولا مؤسسات.
ان الدستور يبقى الحامي ورئيس الجمهورية المؤتمن عليه اولا في قسمه حارسه الامين الاول – فمما نخاف ؟ ولماذا نتردد ؟
اذا كنا نخشى مزيدا من الشرخ والانقسام فقد مر لبنان خلال السنوات الخمس الاخيرة بما كان اقوى واخطر انواع الانقسامات والاصطفافات.
واذا كان بعضنا يخشى السلاح – فان من يستعمل سلاحه هذه المرة سوف يدين نفسه بنفسه امام الرأي العام. وهو في كل الاحوال لن يقدر على اي تغيير بالقوة ولا بسلاحه لانه سيثبت بصورة قاطعة للعالم كله بان سلاحه ليس للمقاومة وليس ضد اسرائيل، بل هو سلاح اسرائيلي بامتياز ينفذ في الداخل اللبناني ما لطالما حلمت به اسرائيل من تقاتل داخلي لبناني وتفتيت للصيغة اللبنانية الفريدة.
في لبنان دستور تنص الفقرة (ج) منه على ان لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد … فالنظام الديمقراطي يبنى على احترام الرأي والخيار الوطني للشعب وليس لاحزاب او تيارات مهما على شأنها. والنظام البرلماني يبنى على حكومة تحكم بمسؤولية امام الشعب الممثل بنوابه وبيقة هذا الشعب عبر ممثليه، ومعارضة تعارض وتقدم البرامج البديلة وشعب يحاكم في الانتخابات الدورية اداء الطرفين. فلا تقوم البرلمانية على تعطيل المحاسبة والمراقبة البرلمانية اذا ما اجتمعت الموالاة والمعارضة في حكومة واحدة – فالنص الدستوري يعلو ويسمو على اية اعتبارات سياسية اخرى او حسابات ضيقة من هنا وهناك .
واحترام الرأي والمعتقد يبدأ باحترام رأي الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات فلا يسوغ لاي تيار او حزب مهما على شأنه ان يعلو على الارادة الشعبية والرأي الشعبي ويحاول طمسه وتجاوزه تحت شعارات مبتذلة لا تمت الى جوهر النظام والدستور بصلة لا من قريب ولا من بعيد .
في لبنان دستور تنص الفقرة (د) منه على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية : فالشعب وليس المقاومة هو مصدر السلطات – وقد قال الشعب كلمته فلتحترم. وسيان لدى الشعب انسحاب قطب من تحالف من هنا او وسطية مفاجئة لقطب من هناك. فان المغذى الاساسي في الانتخابات النيابية الاخيرة تجلى في توجه جماهيري عريض الى دعم قيام مشروع الدولة والمؤسسات والى بناء الدولة القوية القادرة، وهذا اهم ما في رسالة الناخبين في 7 حزيران الماضي.
والشعب مصدر السلطات، والشعب ليس حزب الله ولا العماد عون، بل هو كل الشعب حتى من الموارنة والمسيحيين ومن الشيعة والمسلمين، وبالتالي له وحده الحق بان يكون مصدر السلطات. فالدستور لم يشر الى تشريع او قوننة لحالة شاذة يختصر فيها حزب او تيار طائفة باكملها ويجعلها رهينة اهدافه وسياسته خاصة متى اصبحت تلك الاهداف والسياسات مستوحاة من خارج الحدود .
وفي لبنان دستور تنص الفقرة (ي) من مقدمته على ان لا شرعية لاية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك : وقد وضع مؤسسوا صيغة العيش المشترك الرئيسين الاستقلاليين الشيخ بشاره الخوري ورياض بك الصلح اسس العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين مناصفة وبين المذاهب بالنسبية. حينها كانت منظمة الكتائب تمثل التيار المسيحي الغالب فيما حزب النجادة يمثل التيار الاسلامي الغالب، ومع ذلك لم يتكلم الزعيمان عن تقاسم السلطة بين الكتائب والنجاده او التفضيل بينهما او بناء الدولة على قياسهما بحجة ان المنظمتين المذكورتين تختصران في حينه الطوائف اللبنانية. فصيغة العيش المشترك في الدستور هي صيغة عيش الطوائف وليس القوى الطائفية. وهذا ما اجمع عليه نواب لبنان في الطائف باعتراف من بقي منهم اليوم على قيد الحياة اطال الله باعمارهم وفي مقدمتهم النائب بطرس حرب .
وفي لبنان دستور تنص المادة (49) منه على ان رئيس الجمهورية رئيس الدولة يسهر على احترام الدستور وهو رمز وحدة الوطن. فليس هناك ذكر لرئيس توافقي ممنوع عليه استعمال صلاحياته، وكأنه مدين لاحد بوجوده، فيما الدستور وحده مرجعه ومصدره واليه وحده يركن ومنه وحده يستمد سلطته وهو الذي عندما يقبض على ازمة الحكم يحلف يمين الاخلاص للامة والدستور لا لاحد اخر.
وفي لبنان دستور تنص المادة (53) منه في فقرة هامة هي الفقرة (4) على ان رئيس الجمهورية يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة – فالرئيس يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء وليس بالاتفاق مع الكتل والاحزاب والتيارات مرسوم تشكيل الحكومة .
وتعطف على هذه الفقرة، الفقرة (2) من المادة (64) التي تنص على ان رئيس مجلس الوزراء يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة دون ذكر الزامية تلك المشاورات عكس ما نصت عليه الفقرة (2) من المادة (53) بالنسبة لصلاحيات رئيس الجمهورية باجراء استشارات ملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف .
فالرئيس المكلف اذا يقوم باستشارات "غير ملزمة" لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها – فالتوقيع يكون بين الرئيسين فقط وبالتشاور بينهما فقط .
وفي لبنان دستور تنص المادة (65) منه في فقرتها (5) على نصاب الحضور ونصاب التصويت : فنصاب الحضور اكثرية ثلثي اعضاء مجلس الوزراء – اما نصاب القرارات فهو على مرحلتين : توافقيا اولا ( وهنا نتكلم عن ديمقراطية توافقية اذا امكن ذلك وليس حتميا بدليل طرح المشرع الدستوري احتمال ثان هو التصويت ) والا فبالتصويت باكثرية الحضور اي اقله بالاكثرية من بين ثلثي الحاضرين من الوزراء اي من نصف الثلثين الذين يشكلون نصاب الحضور كحد ادنى .
اما قرار الحرب والسلم فبيد ثلثي عدد اعضاء مجلس الوزراء وليس في يد تيار او حزب او مقاومة. وبالتالي نرى ان افضل استراتيجية دفاعية هي الاستراتيجية التي طرحها الدستور في الفقرة (5) من المادة (65) بحصر قرار الحرب والسلم وقرار اعلان حالة الطوارئ والغاؤها وقرار التعبئة العامة بمجلس الوزراء صاحب الحق والسلطة الشرعية في تقرير وممارسة هذه الصلاحيات المصيرية .
في لبنان دستور … وعلى اللبنانيين احترامه وتطبيقه والعمل تحت سقفه والا فلن يعود لكل الوطن سقف. فقوى 8 اذار تعيش في عراء التحالفات الاقليمية لذلك قد لا تكون معتادة ومعها العماد عون على سقف يحمي الجمهورية من امثالهم، فيما الدستور في النهاية يبقى هو الحل وعلى الرئيسين حزم امرهما قبل سقوط الدولة التي يسعيان ويحلمان الى جانب الشرفاء من ابناء هذا الوطن في قيامها .