.jpg)
لا يكفي ان يتوجه المواطنون الى صناديق الاقتراع في اي انتخابات ليقال ان الشعب يمارس ديمقراطيته، فالانتخابات البلدية الى الآن اثبتت بما لا يقبل الشك ان ما نسميه ديمقراطية هو في الحقيقة حسابات متروك امر تقديرها لكل مواطن في ضوء مصالحه ومصالح اهله ومدينته او قريته .
ثقافة الديمقراطية هي غير ممارسة عمل ديمقراطي، ففي العلم السياسي الديمقراطية ليست مجرد شكل من اشكال الحكم وانما طريقة حياة لمجتمع بلغت به درجة الثقافة والحضارة السياسية قدراً من السمو يؤهله للمشاركة التطوعية الهادفة في شؤون مجتمعه .
من هنا، فإن حكم الشعب للشعب وبالشعب بحسب قول الرئيس لنكولن لا يعني بالضرورة حكم ديمقراطي، فالحكم الديمقراطي الذي يصفه العلامة (لويل) بانه فن الحكم قد يعني دولة ديمقراطية ولكن الدولة الديمقراطية لا تعني بالضرور حكومة ديمقراطية اذ ان الدولة الديمقراطية تتفق مع اي نوع من الحكومات سواء كانت ديمقراطية او ملكية او حتى اوتوقراطية فالامثلة عدة. في روما القديمة كان النظام ديمقراطيا للدولة ومع ذلك لم يمنع النظام من ممارسات اباطرة ديكتاتوريين باسم الديمقراطية ومن ضمن مؤسسات الحكم الديمقراطية كمجلس الشيوخ – كنيرون وكاليغولا وسواهم … فالحكومة لم تكن بالضرورة ديمقراطية مع ان الحكم كان ديمقراطيا … كذلك مثلاً النظام في الجمهورية الاسلامية الايرانية حالياً – هناك حكم ديمقراطي متمثل بمؤسسات دستورية تنتخب كرئيس الجمهورية ومصلحة تشخيص النظام ومجالس الخبراء وسواها من مجالس معاونة للنظام – ومع ذلك ورغم الحكم الديمقراطي والدولة الديمقراطية الا ان الحكومات ليست ديمقراطية، بدليل القمع الممارس على الحريات السياسية والعامة وعلى المعارضة الايرانية للنظام والمرشد الاعلى …
حتى رئيس الولايات المتحدة الاميركية اعظم دولة ديمقراطية نجده في وقت الازمات ممتلكا لصلاحيات دكتاتورية مطلقة او شبه مطلقة مع ان الدولة ديمقراطية لكن حكوماتها تصبح بعيدة عن تلك الديمقراطية …
اما في لبنان، فالمشهد منقلب في الشكل والمضمون وان كانت الاشكالية المطروحة هي نفسها بين دولة ديمقراطية وحكومة ديمقراطية …
فعلى سبيل المثال، ان الذي تحقق في الجولتين الانتخابيتين البلديتين الاخيرتين سواء في البقاع وبيروت او جبل لبنان ان دل على شيء فعلى النقص الكبير والمخيف في الثقافة الديمقراطية، ويضاف اليه النقص الكبير في الثقافة الدستورية فها ان الفقرة ج من مقدمة الدستور تصف لبنان بأنه جمهورية ديمقراطية برلمانية … الا اننا في الواقع في نظام اشبه ما يكون باللويا جيرغا الافغاني – فطاولة الحوار التي تعقد باستمرار في مجلس النواب لها من السلطة والقوة والتأثير على الاحداث وسيرورة الدولة بمؤسساتها ومرافقها اضعاف اضعاف مما لمؤسساتنا الدستورية من قوة وتأثير بدءاً من مجلس الوزراء كي لا نتكلم عن الرئاسة الاولى المغيبة طوعياً… فالمجلس النيابي الذي ابتلعت دوره اجتماعات اللجان المشتركة القادرة على عقد الصفقات وتمرير المكاسب من هنا وهناك وتقاسم الجبنة والمغانم بسهولة اكبر منا لو كنا امام الهيئة العامة مجتمعة .
فالدستور اللبناني حافل بالنصوص والقواعد والمبادئ التي تنطلق من مكونات الديمقراطية الا ان هذه النصوص لم ولا تمنع اي فريق اذاً شاء من التصرف بدكتاتورية من نوع جديد – دكتاتورية الفكر الطائفي– فمتى تحركت العصبية الطائفية والمذهبية طغت على ما عداها من مفاهيم واعتبارات وطنية وفرضت نفسها على المشهد الوطني ككل.
وفي هذا يقول هيجل ان ديمقراطية المواطن مبنية على التناقض بين الحرية والضرورة، وان كان يعتبر الاخير ان اسمى ما يمكن للفرد ان يتمتع به من حرية يكون في ايجاد درجة توافق بين ارادته ومقتضيات معيشته عضواً في جماعة من اقرانه البشر… فاذا بالاقران بحسب المشهد اللبناني ابناء طائفته وحيه وزقاقه قبل الوطن الارحب والبلد الاوسع…
فعلى الرغم من النصوص الدستورية التي لا تتكلم مثلاً عن الديمقراطية التوافقية اذا بتلك البدعة تصبح اسمى واقوى واكثر الزامية من نصوص الدستور نفسه … ومن الديمقراطية الدستورية المتمثلة بالانتخاب والتنافس الانتخابي والترشح الحر …
بالتوافق ننتخب رئيس للجمهورية، واذا غاب التوافق غابت الرئاسة ووقع لبنان في فراغ دستوري وسياسي قاتل …
بالتوافق نمرر مشروع قانون انتخاب جديد واذا غاب التوافق نبقى على قانون الستين …
بالتوافق نعالج مسائل معيشية ملحة ضاغطة وطارئة ومعيبة كملف النفايات مؤخرا …
بالتوافق تدار الدولة …
فالديمقراطية اسلوب حياة قبل ان تكون نصوص وقواعد ومؤسسات ونظام حكم ودولة وشكل من اشكال الحكم، فالقالب قد يكون ديمقراطي وانما المضمون يتحمل مكونات اخرى غير الديمقراطية … فلا تكون المضامين ديمقراطية الا حيث وعي وثقافة حرية ومساواة …
فمع منطق سياسة المختار والناطور لا نستطيع ان نبني ثقافة ديمقراطية بقدر ما نبني فقط هيكليات ديمقراطية مضمونها فارغ ومتناحر وفي احسن الاحوال عاجز… لان اللبنانيين فقدوا معرفة الديمقراطية، وقد اكد علماء الاجتماع السياسي ان تأثير الديمقراطيات الباعث على الاستقرار لا يبدأ الا حينما تكون هياكلها المؤسسية قوية بشكل كاف لتوحيد المصالح المتعارضة سياسيا وتوفير الامن في مواجهة الاحزاب والتحزب – عندها تكتسب تلك الهياكل القدرة والمضمون الديمقراطيين … ( انظر مؤلف Hegre , havard et Al (toward a democratic civil peace ? democraty political change and civil war – 1816-1992
فهل سقطت الديمقراطية اللبنانية بسقوط ثقافتها…؟