
من بيروت والبقاع وجبل لبنان إلى الجنوب در. هي الجولة الثالثة من الانتخابات البلدية والإختيارية التي ستفرز مجالس بلدية جديدة وأخرى بالتزكية في قرى وبلدات استبعدتها الدولة لأعوام وأعوام عن خارطة الإنماء،فاختار أهلها البديل الذي جاء أحيانا على حساب حياتهم ومصيرهم من أجل البقاء والتجذر في ارضهم. من هنا قد تأخذ الانتخابات البلدية والإختيارية في محافظتي الجنوب والنبطية بعدا مختلفا عما كان عليه في الجولتين السابقتين لأن الهم والهاجس في التنافس لن يكون إلا إنمائيا بغض النظر عن طبيعة التحالفات المحددة في اطرها الحزبية في القرى الشيعية والعائلية في القرى والبلدات المختلطة والمسيحية. إلا في جزين التي تخوض بدل المعركة… معركتين: بلدية وإختيارية وفرعية نيابية.
من بيروت إلى الجنوب. حتماً لن يكون يوماً عادياً اقله على الخط الساحلي الذي سيعج بالجنوبيين الذين سيتوجهون إلى قراهم التي هجروها قسرا. ووحده صوتهم الذي سيسقطونه في صناديق الإقتراع سيقرر مصيرهم: إما أن يبقوا سياحا وزوارا في ارضهم، او يعودوا ومفتاح البيت المهجور في جيبهم.
في الجولتين الأخيرتين من الانتخابات البلدية والإختيارية كان الهاجس الأساس يتمثل في تركيبة اللوائح تحت عنوان التوافق انطلاقا من تفاهم معراب من دون استبعاد الحيثيات المحلية والحزبية التي تنبثق منها. في الجنوب يكاد يضمحل هذا الهاجس حتى في غالبية القرى المسيحية البحت. والإستثناء في هذه الدورة يكاد ينحسر في القليعة الحدودية وجزين ومغدوشة. والبداية من قضاء صيدا والزهراني.
فالعرف المتبع في عاصمة الجنوب صيدا ينص على نيل المرشحين المسيحيين (واحد كاثوليكي وآخر ماروني) على كل لائحة بركة مطراني الطائفتين في مطرانيتي صيدا. هذه الدورة تمت تسمية كل من عبدالله كنعان وميشال طعمه على اللائحة المدعومة من “تيار المستقبل” وإبراهيم حداد وزاهية عبود على اللائحة المدعومة من أسامة سعد. وأياً تكن النتيجة هناك مرشحان مسيحيان على لائحة مجلس بلدية صيدا المؤلف من 21 عضواً سيفوزان حتما ولا شيء قابل لتغيير او كسر هذا التقليد مهما حاول البعض تصوير مشهد الانتخابات البلدية في صيدا بأنه سيكون بمثابة رد اعتبار لانتخابات بلدية بيروت. “عم بيحطونا ع اللايحة تا ما يكسروا التقليد وتثبيت العيش المشترك. وأساساً نسبة المسيحيين بصيدا ضئيلة جداً يعني ما راح تغير الأصوات شي من المعادلة القائمة”.
ماذا بعد؟ إطمئنوا فالمعركة على صناديق الإقتراع صباح الأحد 22 أيار لن تكون إلا ديمقراطية و.. إنمائية.
بالنسبة إلى باقي البلدات الجنوبية في صيدا والزهراني يبدو أن مشهدية “المعارك” ستقتصر على العائلية البحت باستثناء البلدات الأربع التي توافق أهلها على مجلس بلدي وفازت بالتزكية وهي: العدوسية وطنبوريت والحجة وبقسطا. والثابت أن حزب “القوات اللبنانية” من خلال المنسقية لعب دوراً في تقريب وجهات النظر في عدد من البلدات مما ساهم في تجنيبها المعركة البلدية، وربما إراحة أهاليها من عبء هذا النهار والتوجه نحو بلداتهم. ولعلمكم فإن غالبية اللقاءات لتشكيل اللوائح في قرى وبلدات الجنوب جرت خارج حدود هذه المحافظة لأن ثلث سكانها لا سيما في القرى الحدودية نزحوا لأسباب إقتصادية واختاروا قسرا العيش تحت سماء العاصمة وضواحيها بدلا من التنعم بنسيم رائحة زهر الليمون الجنوبي.
التفاهم العوني ـ القواتي فرض نفسه في القرى المسيحية ولو بالحد الأدنى لمواجهة محادل اللوائح الدعومة من “حزب الله” وحركة “أمل” لكن الأمر لا ينسحب على بعض القرى والبلدات ومنها مغدوشة التي لا تزال المعركة فيها قائمة بين لائحتين على رغم المحاولات لتشكيل لائحة مدعومة من “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” والقوى المحلية والنائب ميشال موسى. وفي حال لم يتم التوصل إلى التوافق في اللحظات الأخيرة فإن أم المعارك في قضاء صيدا ستكون في قرية سيدة المنطرة مغدوشة.
.jpg)
ثمة من يخشى ان يأخذ مشهد الانتخابات البلدية في قضاء صيدا بعداً سياسياً او امنياً على خلفية نتائج انتخابات زحلة وبيروت لكن بالنسبة إلى الصيداويين وأهالي قرى القضاء لا شيء سيعكر صفو الأمن لأن قوى الأمر الواقع لا تتدخل في القرى المسيحية ولا حتى في القرى المختلطة بشكل مباشر. لكن الهاجس الوحيد بعد انتخاب المجالس البلدية يبقى ممثلاً بانتخاب اتحاد بلديات جديد بعدما عطلت قوى الأمر الواقع اتحاد البلديات الحالي الذي كان يرأسه عرفاً رئيس بلدية صيدا مدة 6 أعوام وتولى رئاسته المحافظ بالنيابة. ويضم اتحاد بلديات صيدا 12 بلدية مسيحية و3 بلديات شيعية وبلدية سنية واحدة. وسيسعى القيمون إلى انتخاب رئيس اتحاد بلديات جديد نظراً إلى الدور الإنمائي الذي يلعبه لجهة دعم قرى شرق صيدا.
على الخط الحدودي ثمة وجع وحنين. فهناك في تلك القرى التي محتها الدولة عن خارطة الإنماء لأعوام طويلة عطش مزمن للإنماء. صحيح أن من صمد فيها استطاع ان يجعل من حدود بلدته رمزا لمفهوم التجذر واللامركزية الإنمائية لكن في حسابات الجنوبيين حان الوقت لاستعادة هوية الإنماء. وهناك أيضاً في تلك القرى الحدودية التي عاشت زمن الاحتلال الإسرائيلي وخرجت من نيره منذ العام 2000 لا يزال الحنين كبيرا لأحباء رحلوا بصمت ولا يجرؤون حتى اليوم أن يسموهم شهداء. لكن ماذا عن المبعدين إلى إسرائيل؟ وهل ما زالوا يتذكرون أجواء الانتخابات البلدية في قراهم الحدودية؟ “مش تا نعرف قبل إذا الدولة بعدا بتتذكرن”؟.
.jpg)
هي الغصة نفسها مع كل استحقاق بلدي او نيابي او حتى مع صبحيات أيام الآحاد والأعياد حيث يجتمع أبناء القرى الحدودية في ساحات الضيع والكنائس. هناك يفتش من بقي على قيد الحياة في الوجوه عن أبناء عن احفاد سلخوا من قراهم وأبعدوا من وطنهم وشطبت أسماؤهم عن لوائح الشطب. ومن يدري لو كانت موجودة كانت حتماً ستحدث فرقاً على رغم كل الحيثية الديمغرافية وحتى الحزبية التي تفرضها قوى الأمر الواقع في مناطق الجنوب اللبناني.
من صيدا والزهراني إلى مرجعيون وحاصبيا. هنا المشهد ضبابي حتى عشية الانتخابات وبعد إقفال الصناديق. فالتفاهم العوني القواتي في القرى المسيحية تطغى عليه الصبغة العائلية. مع ذلك هناك إجماع بأن التفاهم حاضر في لقاءات الأهالي المسائية والصبحيات الربيعية. ولكل قرية حيثياتها. في كوكبا مثلا هناك تحالف بين “القوات اللبنانية” والقوى المحلية و”التيار الوطني الحر”. كذلك الحال في راشيا الفخار حيث التوافق قائم مع العائلات والأحزاب. وفي دير ميماس المعركة قائمة بين لائحة مدعومة من القوى المحلية وحزبي الشيوعي والقومي السوري و”التيار الوطني الحر” في مقابل لائحة أخرى مدعومة من القوى المحلية وتركت “القوات اللبنانية” الخيار لمناصريها ومرشحيها في اختيار المرشحين بعدما رفض المرشحون المناصرون للحزب خوض المعركة على اللائحة الأولى.
ثمة من يؤكد أن أجواء الديمقراطية إلى حد البرودة ستطغى على مشهدية انتخابات بلديات الجنوب علما انه في المقلب الشيعي بدا واضحا في الجولات الانتخابية السابقة أن التكليف الشرعي لم يجنب أبناء الطائفة إشكالات امام وداخل صناديق الإقتراع بين مناصرين من “حزب الله” وحركة “أمل”. أما على مستوى القرى المسيحية فأم المعارك تكاد تنحصر في بلدة او بلدتين في كل قضاء. وهنا في قضاء مرجعيون ستنحصر المعركة بين لائحتين: لائحة “القليعة الحرة” برئاسة حنا ضاهر وتضم ممثلين عن القوى المحلية ولائحة “القليعة الغد” برئاسة بسام حاصباني التي تحظى بدعم من خارج البلدة.
إبل السقي الحدودية ستشهد أيضاً معركة بين لائحتين الأولى مدعومة من الحزبين الشيوعي والإشتراكي في مقابل لائحة مدعومة من القومي السوري. وفي الخيام يغيب التمثيل المسيحي في اللوائح لأن عدد المسيحيين في هذه القرية ضئيل جدا لكن العصب موجود واتكالنا على امنا العذراء في شهرها المريمي وعلى عصب الجنوبيين”.
.jpg)
عند شاطئ صور يستريح الصيادون على شباكهم التي يتمنون أن تمتلئ ليل السبت – الأحد حتى تكون الجلسات على أكلة سمك للوافدين من أبناء هذا القضاء لإسقاط أصواتهم في صناديق الإقتراع. هناك لا شيء تبدل في مشهد الصيادين الذين يأملون بوصول مجالس بلدية تساهم إلى حد ما في رفع الغبن عن مرفئهم الذي يعاني من الحرمان. لكن ماذا عن القرى التي تحول أهلها إلى طعم في شباك حرمان الدولة؟ هنا أيضا البرودة تسيطر على مشهد صناديق الإقتراع بسبب وجود قرية مسيحية واحدة هي علما الشعب. مما يعني ان غالبية البلديات ستشهد على معارك عائلية او بين لائحات مدعومة من “حزب الله” وحركة “أمل” والقوى المحلية. ففي صور تمسك حركة امل بزمام المجلس البلدي الذي يضم 4 أعضاء مسيحيين محسوبين على الحركة وفي قانا المعركة شبه محسومة مع وجود مجلس بلدي مدعوم من “حزب الله” وحركة “أمل” ويضم عضوين مسيحيين. إذا التركيز ينصب على بلدية علما الشعب علما ان المعركة محصورة بين لوائح مدعومة من العائلات.
وحده المشهد في قضاء جزين سيكون مختلفاً لأن خرير المعركة سيتوزع بين الصناديق البلدية والإختيارية والنيابية الفرعية. في الأخيرة حسمت “القوات اللبنانية” قرارها بدعم مرشح “التيار الوطني الحر” أمل أبو زيد فأعطت القيادة توجيهاتها بالتحالف معه، وقد انضم الى هذا التحالف أيضاً حزب “الكتائب” بعد اللقاء الذي جمع أبو زيد والنائب سامي الجميل رئيس الحزب. والواضح أن اتفاق معراب انسحب على الشارع المسيحي الجزيني الذي تلمس أهمية هذه الخطوة. وفي المقلب الآخر من المعركة الفرعية ترشح ابراهيم عازار نجل النائب السابق سمير عازار ، كما ترشح كل من قائد الدرك السابق صلاح جبران وباتريك رزق الله اللذين كانا محسوبين سابقاً على “التيار الوطني الحر”. أما حسابياً فتشير الأرقام إلى أن الصوت المسيحي هو المرجح في جزين بحيث اقترع في الدورة السابقة 25 ألف مسيحي تقريباً مقابل 6 آلاف شيعي. وتشير المعطيات الى أن الرئيس بري لن يدخل هذه المعركة بقوة وحاول تجنبها.
على المقلب البلدي يضم قضاء جزين 53 قرية، غالبية المعارك فيها عائلية لكن الثابت أن التفاهم القواتي- العوني يرخي بثقله على تشكيلة اللوائح حتى المتنافسة بحيث تضم كل لائحة منها مرشحين من “القوات” والعونيين. أما في القرى المختلطة فهناك احتمال للمعارك، علماً أن عدد البلديات المنضوية في اتحاد البلديات هو 36.
أما في عروس الشلال مدينة جزين، فالمعركة يغلب عليها الطابع السياسي ورست على لائحتين: الأولى “نحنا لجزين” مدعومة من “القوات اللبنانية” وتضم تحالف “القوات” و”التيار الوطني الحر” و”الكتائب اللبنانية” والوزير السابق إدمون رزق والعائلات في مقابل لائحة مدعومة من إبراهيم سمير عازار المرشح بدوره على المقعد النيابي في الفرعية النيابية في جزين والمدعوم تاريخياً من الرئيس نبيه بري. ولكن التصويت البلدي يختلف عن التصويت النيابي لأنه محصور داخل مدينة جزين.
22 أيار مشهد انتخابي جديد ليس امام صناديق الإقتراع في محافظة الجنوب وحسب، إنما في الساحات التي ستعج بأقدام الجنوبيين من دون ان تهتز.
