.jpg)
“القوات اللبنانية” هي بنت المجتمع، ووليدة وجعه وأنينه وحاجته إلى قوة غير تقليدية تشكل له مصدر حماية واطمئنان في حال “جرت الرياح بما لا تشتهي السفن”. فنشأتها كانت من أجل سد الفراغ الذي تركته الدولة، ومنع لبنان من الوصول إلى لحظة الفراغ نفسها. فما حصل في العام 1975 كان يمكن استباقه لو أحسنت الطبقة السياسية إدارة البلد بعد العام 1943 من خلال إبقاء الأولوية للمشاعر الوطنية بعيدا من الاسترخاء والأولويات السلطوية والمحاصصاتية.
ولم تتعامل “القوات” يوما مع المجتمع على قاعدة المنافسة، كما لم تعتبر يوما انها في مواجهة مع هذا المجتمع، بل كانت دوما تنظر إليه بانه البيئة الحاضنة لمشروعها الوطني الذي به تنتصر ومن اجله تناضل. ولعل مناسبة هذا الكلام الحملة السياسية التي شنت على “القوات” بعد اتفاقها مع “التيار الوطني الحر” في 18 كانون الثاني، والتي استكملت مع الانتخابات البلدية منطلقة من زاوية ضيقة تقول إن هدف هذا التحالف إلغاء القوى المحلية والقوى الأخرى.
وقد استدعت هذه الحملة تدخل الدكتور سمير جعجع لإعادة تصويب بعض المفاهيم المغلوطة التي يتم ترويجها ومن أبرزها وضع الأحزاب في مواجهة القوى المحلية من زاوية ان الحزبي ليس مخلوقا فضائيا بل ابن عائلة شأنه شأن أولاد العائلات الأخرى، واختار الانخراط في الأحزاب باعتبارها رافعة لطموحاته متى كان أهلا لها، وبالتالي المواجهة متى وجدت هي بين الأحزاب والقوى المحلية وليس العائلات التي تتكون منها الأحزاب والقوى المحلية.
وعلى رغم ان أهداف هذه الحملة مكشوفة ومردها إلى خشية قوى سياسية معلومة من استعادة المكوّن المسيحي فعاليته الوطنية ودوره على المسرح السياسي، إلا انه يقتضي التذكير بنظرة “القوات” المثلثة الأبعاد والقائمة على ثلاثية الكنيسة والأحزاب والقوى المحلية والتي تشكل الحصانة الأساسية للبيئة المسيحية-اللبنانية، هذه العلاقة التي لا يمكن ان تكون بين المكوّنات الثلاثة إلا تكاملية، لا تنافسية ولا صدامية.
وهذه الرؤية مستمدة من الفلسفة المجتمعية للتكوين اللبناني-المشرقي، وقد أثبتت التجربة التاريخية القديمة والحديثة انها تشكل شبكة الأمان للمجتمع من الاستهدافات والحملات الخارجية، وأكبر مثال على ذلك إلغاء النظام السوري للأحزاب المسيحية بعد إمساكه بالقرار اللبناني، معتقدا ان هذه الخطوة كفيلة بإنهاء الحالة المسيحية الرفضية لاحتلاله لبنان، وبالتالي إدامة احتلاله لهذا البلد.
وقد يكون النظام السوري أصاب من زاوية أنه ضرب الحالة التنظيمية داخل البيئة المسيحية، لأنها وحدها القادرة على تنظيم مواجهة جدية مع هذا الاحتلال. ولكن ما سها عن باله طبيعة التركيبة المجتمعية اللبنانية وتحديدا المسيحية، حيث ان إلغاء الأحزاب لا ينسحب على إلغاء الكنيسة والعائلات، وبالتالي وقف تأثير هذا النفوذ عند حدود الكنيسة والعائلات.
وبعدما تم استيعاب الصدمة الإلغائية السورية أعادت البيئة المسيحية تنظيم نفسها حتى لو تراجعت خطوة إلى الوراء، فواصلت نضالها ضد هذا الاحتلال من مربعين: مربع الكنيسة التي قادت بعد البيان الأيلولي الأول في العام 2000 المواجهة ضد النظام السوري، وشكلت المظلة للمعارضة المسيحية تحت مسمى “لقاء قرنة شهوان”، ومهدت الطريق لمد الجسور مع المعارضات من الجانب الإسلامي، فتشكلت معارضة وطنية أخرجت الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 بعد ثورة شعبية غير مسبوقة في لبنان في 14 آذار 2005.
والمربع الآخر هو العائلات التي تضم حزبيين وغير حزبيين شكلوا البيئة التي استندت إليها بكركي في مواجهتها مع دمشق، وأدت دورا أساسيا في تحريض الكنيسة على لعب دورها ضد سياسة الأمر الواقع التي غيّبت الدور المسيحي وتعمل على تغييب دور لبنان.
فالفرد الحزبي انكفأ إلى عائلته بعد حل حزبه، ولكنه لم يتخل عن نضاله وقناعاته، وهو أساسا كان يحمل الصفات الثلاث بأنه ابن عائلته وكنيسته وحزبه، وما انضمامه إلى الأحزاب سوى لقدرتها على الجمع بين الدفاع عن الفكرة اللبنانية، وبين تحقيق طموحاته الشخصية.
فشريحة واسعة من الذين انخرطوا في الحرب في العام 1975 لم تكن حزبية، ولكن تنظيم المواجهة ومتطلباتها استدعت وتستدعي الانضمام إلى مجموعة عابرة للعائلات وحاضنة لها، كما ان تطور الحياة السياسية يتطلب وجود أحزاب قادرة على مواكبة التحديات الجديدة، وقادرة أيضا ان تكون عابرة لكل العائلات والمناطق.
فإلغاء “القوات اللبنانية” كتنظيم سياسي لم تنسحب مفاعيله على الكنيسة والعائلات، وما كادت موجة الخوف، التي أصابت كل المجتمع بعد خطوة من هذا النوع، تعبر سبيلها حتى استعادت “القوات” حضورها كقضية حية داخل العائلات والكنيسة، وشكلت الأرضية التي هيأت لانتفاضة الاستقلال، لانه لولا وجود هذه الشريحة المناضلة لما كانت بكركي أخذت هذا التوجه الذي يعكس إرادة الناس، ولما كانت ولِدت معارضة مسيحية، ولا تجرأت المعارضات الإسلامية على مواجهة نظام الاحتلال.
ودور الكنيسة لا يقتصر على الشق الوطني على أهميته، إنما شكلت الرافعة التاريخية للدور المسيحي المميز من خلال طليعيتها على المستوى التعليمي والاستشفائي والثقافي، ولعبت الدور الأساس في الانتشار المسيحي على كامل الجغرافيا اللبنانية وتأسيسها لثقافة العيش معا.
كما ان الفرد في المجتمع لا يقتصر دوره على الشق السياسي، إنما يتجاوز ذلك إلى المبادرة الفردية التي جعلته طليعيا في كل المجالات والقطاعات.
ومن هنا تعتبر “القوات” ان قوتها من قوة مجتمعها، وان حصانتها من حصانة مجتمعها، وان حرصها على دور الكنيسة والقوى المحلية نابع من إيمانها بأن هذه الثنائية بالإضافة إلى الأحزاب تشكل الضمانة لقوة المسيحيين في لبنان ودورهم في صلب المشروع اللبناني.
وشطب المسيحيين في لبنان لا يمكن ان يمر سوى من خلال إلغاء الأحزاب والكنيسة والعائلات، الأمر غير الممكن لا اليوم ولا مستقبلا، ولذلك محاولات وضع “القوات” في مواجهة العائلات لا تمر، وأصحاب هذه النظريات يجهلون البعد المجتمعي اللبناني، كما يجهلون “القوات” ونظرتها إلى هذا المجتمع.
فلا تناقض كنسي-حزبي-عائلي، إنما واقع تكاملي بامتياز، لأن ضعف أي مكون من هذه المكونات الثلاث ينعكس سلبا على المكونين الآخرين، وبالتالي المصلحة الاستراتيجية هي في تعزيز هذه المكونات لتقوم بدورها بالحدود المتعارف عليها، بل كل مكون يرى من واجبه تعزيز دور المكون الآخر.
وفي كل هذا المشهد ترى “القوات” ان دورها الوطني يكمن في توفير المظلة الوطنية التي توفر أفضل الظروف والمقومات للكنيسة والعائلات، حيث ان المسيحيين في لبنان ينحصر هدفهم باستعادة السيادة والشراكة، لان لا استقرار فعلي من دون سيادة وشراكة، وبالتالي مواجهتها، متى وجدت، تكون مع القوى المحلية التي يشكل البعض منها أرضية مسيحية لقوى استفادت من غياب الفعالية المسيحية، او تخشى من عودة هذه الفعالية التي تعيد وحدها التوازن إلى المعادلة اللبنانية، فيما القوى المحلية التي تعمل تحت الخط الوطني الاستراتيجي يصار إلى تعزيز دورها على قاعدة “كل من له يعطى ويزاد، ومن ليس له يؤخذ منه”.
